القائمة الرئيسية

الصفحات

الشهادة وأحكامها

الشهادة وأحكامها 



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وإمام الخلق أجمعين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين أما بعد

لما كان الحاكم بين الناس محتاجا للبيانات والبراهين لتحقيق العدل وفصل الخصومات كانت حاجته قائمة لمعرفة أحكام البينات ووسائلها، ومن أهمها الشهادة، فهي أول مايذكر من البينات، وهي أول ماتفسر به البينة، ومازال فصل الخصومات بين الناس وإقامة الاحكام في حقوق العباد وحقوق الله تعالى مبناه على الشهادة، ومازال عمل الناس على هذه البينة قديما وحديثا وتعويلهم عليها كثير. ولقد أمرت الشريعة بها وبالحرص على أدائها. قال تعالى: (وأشهدوا شهيدين من رجالكم)، الآية.

من هنا تبرز أهمية هذا الموضوع، والحاجة إلى تفصيل القول في مسائله وأحكامه، فرسمت له خطة تتماشى مع ذلك، وهي على النحو التالي:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عنوان البحث  (الشهادة)

مقدمة

وقد قسمته بعد هذه المقدمة إلى خمسة مطالب

المطلب الأول: تعريف الشهادة والأدلة على مشروعيتها

الفرع الأول: تعريف الشهادة

الفرع الثاني: الأدلة على مشروعيتها

المطلب الثاني: شروط الشاهد

الفرع الأول: شروط الشاهد في حال التحمل

الفرع الثاني: شروط الشاهد في حال الأداء

المطلب الثالث: الشهادة على الحدود

الفرع الأول: شهادة على الزنا

الفرع الثاني: الشهادة على اللواط

المطلب الرابع: ما يقبل فيه شهادة رجل واحد

الفرع الأول: الشهادة على رؤية هلال رمضان

الفرع الثاني: شهادة رجل واحد في غير رؤية هلال رمضان

المطلب الخامس: شهادة النساء

الفرع الأول: شهادة النساء في المال وما يقصد به

الفرع الثاني: شهادة النساء في المال وما يقصد به

الفرع الثالث: شهادة النساء فيما ليس بمال ولا يقصد به ويطلع عليه

الفرع الرابع: شهادة النساء منفردات

 

 

 

المطلب الأول تعرف الشهادة ومشر عيتها

الفرع الأول: تعريف الشهادة

-1 تعريف الشهادة لغة

الشهادة مصدر شهِد يشهد شهادة، فهو شاهد.[1]. وهي :خبر قاطع، وتطلق على التحمل، يقال شهدت المجلس: حضرته، فأنا شاهد وشهيد أيضا، [2] ومنه قوله تعالى :(فمن شهد منكم الشهر فليصمه)[3]، والمعنى :من حضر المصر في الشهر[4]، وشاهدته مشاهدة، مثل: عاينته معاينة وزنا ومعنى.[5]

وتطلق الشهادة على :الأداء، يقال شهد لزيد بكذا شهادة :أدى ما عنده من الشهادة فهو شاهد [6].

وتطلق كذلك على المشهد به[7].

وأشهد بكذا :أي أحلف[8].

٢- الشهادة اصطلاحا :

اختلفت عباراة الفقهاء في تعريفهم للشهادة، وسنذكر تعريفات المذاهب الأربعة.

_أولا : تعريف الحنفية :

الشهادة : هي (إخبار بصدق مشروط فيه مجلس القضاء ولفظة الشهادة)[9] تبيين الحقائق، للزيلعي، (٣٠٧/٤)

_ثانيا : تعريف المالكية :

الشهادة: هي(إخبار حاكم عن علم ليقضي بمقتضاه)[10]

_ثالثا: تعريف الشافعية :

الشهادة : هي (إخبار عن شيئ بلفظ خاص)[11]

رابعا :تعريف الحنابلة :

الشهادة :هي(الإخبار بما علمه الشاهد بلفظ خاص)[12].

الفرع الثاني:  الأدلة على مشروعية الشهادة

دل على مشروعية الشهادة الكتاب والسنة الإجماع.

أ - الكتاب

_فمن الكتاب :

قوله تعالى :( واستشهدوا شهيدين من رجالكم)، [13]الآية في موطن التداين.

قوله تعالى :(وأشهدوا إذا تبايعتم)[14]الآية، في موطن التبايع.

قوله تعالى : (وأشهدوا ذوي عدل منكم)،[15]الآية في موطن الطلاق.

فقد أمر الله تعالى في هذه الآيات بالإشهاد، وهو أمر إرشاد وندب. [16] وهذا صريح في مشروعية الشهادة.

ب – السنة

_ومن السنة:

قول النبي صلى الله عليه وسلم للأشعث ابن قيس :(شاهداك أو يمينه)، الحديث... [17]

حديث الحضرمي مع الكندي، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم للحضرمي (ألك بينة)، قال : لا، قال :(فلك يمينه)، الحديث.... [18]

ج - الاجماع

_الإجماع :

أجمع أهل العلم على مشروعية الشهادة، ووجوب العمل بها من الحاكم إذا توفرت شروطها، وإن اختلفوا في مسائل منها. [19]

المطلب الثاني :  شروط الشاهد

وفيه فرعان :

الفرع الأول: شروط الشاهد في حال التحمل

يشترط في الشاهد حال التحمل ،شروط وهي: الإحاطة بما ستطلب الشهادة منه به فيه ¹، وأن يكون ضابطا² ، مميزاً³ ، ومعلوم أن من :لازمهما العقل⁴ . فمن كان في (0) حال التحمل ضابطًا، مميزا، فقد انطبق عليه شرط التحمل وزاد الحنفية في شروط التحمل⁵

وزاد الحنفية في شروط التحمل أن يكون الشاهد مبصرا، وأن يكون مع أينا

للمشهود به بنفسه، لا بغيره إلا في أشياء مخصوصة⁶

لكن لا يصح الأداء إلا بعد زوال هذه الموانع، وحكى ابن المنذر : الإجماع على أن العبد والصغير والكافر إذا شهدوا على شهادة فلم يدعوا إليها، ولم يشهدوا بها، حتى عتق العبد، وبلغ الصبي وأسلم الكافر، ثم أدوها في حال قبول شهادهم أن قبول شهادتهم واجب [20]

الفرع الثاني: شروط الشاهد في حال الأداء

وهذه الحال هي التي تقدم تعريفها وهي التي ينبني عليها حكم القاضي؛ ولذا اشترطوا فيها جملة من الشروط، من أهمها:

۱ – الإسلام :

فلا تقبل الشهادة في الأداء إلا من مسلم؛ لقوله - تعالى – ((واشهدوا ذوى عدل منكم ))¹ ، وقوله - تعالى - : ((ممن ترضون من الشهداء² )) واشترط الحنفية هذا الشرط فيما إذا كان المشهود عليه مسلماً³. وأجاز الحنابلة  شهادة الكفار من أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يكن غيرهم⁴

٢ – البلوغ :

فلا تقبل شهادة الصبي ولو مميزاً⁵ ؛ لقوله - تعالى -: ﴿ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهداء⁶ )

والصبي ممن لا يرضى.

ولأن الإجماع منعقد على أن من شرط الشهادة العدالة: ومن شروط العدالة البلوغ وهذا غير متحقق في الصبي⁷

وأجاز المالكية شهادة الصبيان في الجراح والقتل بشروط⁸ ، وهي في الحقيقة ليست[21]شهادة عند مالك، وبل هي من باب إجازته قياس المصلحة⁹ وقال ابن القيم: «وعلى قبول شهادتهم تواطأت مذاهب السلف الصالح، وقد يجني بعضهم على بعض فلو لم تقبل شهادة بعضهم على بعض الأهدرت دماؤهم وقد احتاط الشارع بحق الدماء»

³ - العقل :

فلا تقبل شهادة غير العاقل إجماعها ، لأن من لا عقل له لا يمكنه تحمل الشهادة، ولا أداؤها؛ لاحتياجها إلى الضبط، وهو لا يعقله.

٤ - العدالة:

فلا تقبل شهادة الفاسق؛ لقوله - تعال : (( وأَشْهدُوا ذوي عدل منكم¹  ) ، وقوله  تعالى : ( ممن ترضون من الشهداء ² ) ، والفاسق ليس كذلك.

والمحدود في القذف عدل إذا تاب إلا عند الحنفية ³

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان العدل  الذي تقبل شهادته: و العدل في كل زمان ومكان وفي كل طائفة، بحسبها فيكون الشهيد في كل قوم من كان ذا عدل فيهم، وإن كان لو كان في غيرهم لكان عدله على وجه آخر. وبهذا يمكن الحكم بين الناس، وإلا فلو اعتبر في شهود كل طائفة أن لا يشهد[22]

عليهم إلا من يكون قائماً بأداء الواجبات وترك المحرمات كما كان الصحابة رضي الله لبطلت الشهادة كلها أو غالبها⁴

ه – الحرية فلا تقبل شهادة العبد لقوله - تعالى - : ( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا⁵ ،))  والنهي لا يكون إلا عن متمكن والعبد لا يتمكن من الإجابة لحق سيده.

ولأن الشهادة من باب الولاية، والعبد لا ولاية له على نفسه، فلا ولاية له على

غيره وهو مذهب الأئمة الثلاثة

وأما مذهب الحنابلة فالمعتمد عندهم قبول شهادة العبد مطلقا العموم الآيات

الآمرة بالإشهاد⁷

٦ – النطق :  فلا تقبل شهادة الأخرس، ولو فهمت إشارته؛ لأن الشهادة يعتمد فيها اليقين، وإشارة الأخرس لا يقين فيها؛ ولأن مراعاة لفظ الشهادة شرط صحة أدائها، ولا عبارة للأخرس أصلاً، فلا شهادة له، وهو قول الجمهور وأجاز المالكية شهادته وقالوا: يؤديها بالإشارة المفهمة والكتابة 8

٧ - البصر :

فلا تقبل شهادة الأعمى مطلقا عند أبي حنيفة، وفي رواية عنه: تقبل فيما يجري فيه التسامح، وقال أبو يوسف: يجوز إذا كان بصيرا وقت التحمل ¹  . وعند المالكية: لا تقبل شهادته مطلقا في الأفعال، وتقبل في الأقوال إذا تيقن الصوت²

وأما الشافعية والحنابلة فقالوا: لا تقبل شهادة الأعمى في الأفعال؛ لأن طريق العلم بها البصر وهو معدوم عند الأعمى، لكن إذا تحمل الشهادة قبل العمى قبلت، إذا عرف الفاعل باسمه ونسبه وما يتميز به. وأما شهادته في الأقوال فلا تقبل عند الشافعية إذا كان المشهود عليه خارجا عن يده وأجازها الحنابلة إذا تيقن الصوت³

۸ - الحفظ والضبط :

 فلا تقبل شهادة مغفل ولا معروف بكثرة غلط ونسيان؛ لأن الثقة لا تحصل بقوله، وأما الغلط اليسير فلا يقدح في الشهادة؛ لأنه لا يسلم منه أحد

۹ - انتفاء الموانع:

تختلف بحسب كل مذهب؛ ولذا فإن منهم من جعل انتفاء كل مانع شرطا في الشاهد... ومن الموانع وجود تهمة ككون الشاهد ابنا للمشهود له أو والدا له، أو محجورًا عليه لسفه، أو محدودًا في قذف ولو تاب على مذهب الحنفية، ونحو ذلك مما وهي هو محل تهمة.

[23]

المطلب الثالث : الشهادة على الحدود

وفيه فرعان

الفرع الأول: الشهادة على الزنا :

أولاً: تعريف الحمد لغة واصطلاحا:

الحد في اللغة: هو المنع، والفصل بين الشيئين. وحدود الله محارمه، قال - تعالى : (( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوها¹))

وكل ما حده الله وقدره فهو من الحدود، قال - تعالى : (( وتلك حدود الله فلا تعتدوها² ))

والحد اصطلاحًا:

 الحد في اصطلاح الفقهاء هو : عقوبة مقدرة شرعًا وجبت حقا الله عز وجل ³

 والحدود المتفق عليها ستة هي: الردة، والحرابة ما لم يتب قبل القدرة عليه، والزنا، والقذف به، وشرب الخمر، والسرقة 

ثانيا : تعريف الزنا لغة واصطلاحًا:

الزنا لغة:

الزنا في اللغة الرقي على الشيء.

وزنى الرجل يزني زنا فجر، وكذلك المرأة وفلان زان نسبة إلى الزنا

الزنا اصطلاحا: هو كل وطء  وقع على غير نكاح صحيح ولا شبهة نكاح ولا ملك يمين⁷.[24]

ثالثا: نصاب الشهادة على الزنا أجمع العلماء على أنه لا يقام الحد في الشهادة على الزنا بأقل من أربعة رجال¹  وأجمعوا على أنه يشترط كوهم مسلمين عدولاً ظاهرا وباطناً² "

 

رابعا: الأدلة على اشتراط هذا العدد:

 دل على اشتراط هذا العدد أدلة من الكتاب والسنة والإجماع، منها:

 ۱ – قوله – تعالى -: ((وَالَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِسَا بِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنّ أَرْبَعَةً مِّنكُم³ ))

 

٢_قوله تعالى : ((والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة⁴)) 

٣_ قوله تعالى (( لولا جاءوا بأربعة شهداء فإن لم يأتوا بالشهداء فأوليك عند الله هم الكاذبون⁵ ))

٤- قول النبي ﷺ لما قال له سعد بن عبادة: إن وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله  حتى أتي بأربعة شهداء؟ فقال عليه الصلاة والسلام : «نعم»⁶

 فدلت هذه النصوص على اشتراط الأربعة في الشهادة على الزنا.

ه - أجمع العلماء على أنه لا يقبل في الزنا أقل من أربعة رجال عدول؛ لما دلت  عليه نصوص الكتاب والسنة المتقدمة⁷ [25]

قال العلماء: لم يشترط هذا العدد في حد من الحدود مما اتفق عليه سوى الزناء والحكمة من هذا – والله أعلم : أنه لما كان الزنا حرمًا عظيما، والفضيحة فيه أشنع من أكثر المعاصي، وعقوبته من أشد العقوبات، شدد الشارع في ثبوته؛ طلبا للستر على الناس، ودرءا لإشاعة الفاحشة بينهم

خامسا: الشروط الخاصة بشاهد الزنا:

ذكر الفقهاء شروطًا إضافية في الشهادة على الزنا، وهي:

1-   أن يكون الشاهد رجلاً: إذ لا تقبل شهادة النساء في الزنا ¹ بلا خلاف ، لأن الله قال : ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وَأَوتيكَ هُم الفاسقون²  ))

ولفظ الأربعة اسم لعدد المذكرين، ويقتضي الاكتفاء بهم؛ ولقوله – تعالى -: فاستشهدوا عليهن أربعة  منكم³ ) ، قالت هذه الآية على أنه لا بد في الشهود أن يكونوا ذكورًا، ولأن شهادتهن شبهة يدرأ بها الحد

٢ – مجيء الشهود كلهم في مجلس واحد :

 يشترط مجيء الشهود كلهم في مجلس واحد عند أداء الشهادة، فإن جاءوا متفرقين لا تقبل شهادتهم، ويجلدون حد القذف. وهو قول الجمهور وخالف الشافعية في هذا، وأجازوا في أداء الشهادة على الزنا أن تكون في مجالس متفرقة⁵ [26]

الفرع الثاني : الشهادة على اللواط

أولاً: تعريف اللواط لغة واصطلاحا:

اللواط لغة: لاط الرجل يلوط لواطًا عمل عمل قوم لوط، واشتق هذا اللفظ من اسم نبي الله لوط لمن فعل فعل قومه . وكل شيء لصق بشيء فقد لاط به

و اللواط في اصطلاح الفقهاء هو: من عمل عمل قوم لوط.

ومن أعمالهم إتيان الذكر في دبره

ثانيا: عقوبة من عمل عمل قوم لوط :

اختلف العلماء في عقوبة اللواط وانبني على خلافهم هذا خلافهم في عدد الشهود على اللواط

ولذا سأذكر في هذا المبحث أقوالهم في عقوبة اللائط ثم بعدها أذكر نصاب الشهادة عليه.

وقد اختلف العلماء في عقوبة اللائط على ثلاثة أقوال:

القول الأول:

 أن عقوبته التعزير ولا حد فيه. وهو قول أبي حنيفة ¹"

القول الثاني:

 أن حد اللوطي كحد الزاني، فإن كان محصنا فحده الرحم، وإلا فجلد مائة وتغريب عام. وهو المعتمد عند المالكية والشافعية والحنابلة وقول أبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية²

القول الثالث:

أن حده القتل، محصنًا كان أو غير محصن ³وهو قول للمالكية والشافعية ورواية عند الحنابلة³

واختلف القائلون بهذا القول في كيفية قتله على أقوال:

أ – يحرق بالنار، وهو قول علي لأبي بكر، وحكم أبو به

ب – يلقى عليه حائط، وهو قول عمر وعثمان.

ج- يرمى من شاهق ثم يتبع بالحجارة، وهو قول ابن عباس

د - حده الرحم، وهو قول مالك، واختاره ابن القيم

هـ - أنه يقتل بالسيف: كالمرتد، ورجحه النووي[27]

ثانيا : نصاب الشهادة على اللواط :

 تبين في المبحث السابق الخلاف في عقوبة اللائط، وبناء عليه حصل الخلاف في عدد الشهود.

والأقوال في المسألة كما يلي:

القول الأول: يشترط في الشهادة على اللواط أربعة رجال. وهو قول من قال بأن عقوبة اللواط حد من الحدود وليست تعزيرية، سواء كانت عقوبته القتل أو عقوبته كعقوبة الزاني فلا فرق؛ إذ يشترط على كلا القولين أربعة

شهود. قال ابن القيم: «وبالجملة: فلا خلاف بين من أوجب عليه حد الزنا أو الرجم بكل حال أن لا بد فيه من أربعة شهود أو إقرار¹».

القول الثاني: يقبل في الشهادة على اللواط شاهدان. وهو قول من قال بأن عقوبته تعزيرية وتقدم ذكر أصحاب كل قول وما استدلوا به وأن الراجح هو القول بأن عقوبته القتل: وعليه فلا بد في الشهادة على اللواط من أربعة رجال،[28]

المطلب الرابع: ما يقبل فيه شهادة رجل واحد

وفيه فرعان:

الفرع الأول: الشهادة على رؤية هلال رمضان

اختلف العلماء - رحمهم الله في قبول شهادة رجل واحد برؤية هلال رمضان على قولين:

القول الأول:

تقبل شهادة رجل واحد.

وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة[29] ، إلا أن الحنفية أجازوا شهادة الواحد إذا كان بالسماء علة فإن لم يكن بها علة فيشترط جماعة كثيرة يقع العلم بخيرهم. وقال الحنفية والحنابلة: تقبل كذلك شهادة المرأة والعبد ونصره ابن القيم وقال: إن نصوص الشرع تشهد له[30]

القول الثاني:

لا يثبت شهر رمضان بالشهادة إلا إذا شهد عدلان ذكران برؤية الهلال أو برؤية جماعة مستفيضة.

وهو قول المالكية الأدلة[31]

الفرع الثاني: شهادة رجل واحد في غير رؤية هلال رمضان

اختلف الفقهاء - رحمهم الله - في قبول شهادة رجل واحد في غير هلال رمضان ولهم في المسألة قولان:

القول الأول:

يقبل قول رجل واحد فيما لا يطلع عليه الرجال غالبا كعيوب النساء تحت الثياب

والبكارة ونحو ذلك، وهو مذهب الحنفية والحنابلة[32]. وزاد الحنابلة: يقبل قول طبيب  واحد في داء موضحة ، وقول بيطار واحد في داء دابة إذا لم يوجد غيره

القول الثاني:

لا تقبل شهادة رجل واحد إلا في الأموال خاصة إذا كانت معها يمين المدعي، وهو مذهب المالكية، والشافعية [33]

وتقدم في المطلب السابق أن الشافعية أجازوا شهادة رجل واحد في رؤية هلال رمضان

المطلب الخامس شهادة النساء

وفيه أربعة فروع:

الفرع الأول: شهادة النساء في الحدود والقصاص

لا خلاف بين الفقهاء في أن شهادة النساء لا تقبل في الحدود والقصاص ؛ وذلك لألهما مما يحتاط لدرته وإسقاطه، ولهذا يندرئ الحد والقصاص بالشبهات، وفي شهادة النساء شبهة بدليل قوله تعالى : أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكَّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى (البقرة: ۲۸۲)، فاقتضى ذلك عدم قبول شهادتهن في الحدود والقصاص.

 الفرع الثاني: شهادة النساء في المال وما يقصد به

 أجمع الفقهاء على أنه تقبل في دعاوى المال وما يقصد به المال شهادة رحل وامرأتين لقوله - تعالى -: قَالَ تَعَالَى: ( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهداء) وتقدم الخلاف في قبول شهادة امرأتين مع يمين المدعي في قض أي: المال وما يقصد به المال.[34]

وتقدم أن لهم في المسألة قولين:

القول الأول:

عدم قبول شهادة المرأتين مع يمين المدعي.

القول الثاني:

قبول شهادة امرأتين مع يمين المدعي وتقدمت أدلة كل فريق، وأن الراجح هو : قبول شهادة امرأتين مع يمين المدعي في المال وما يقصد به المال.

الفرع الثالث: شهادة النساء فيما ليس بمال ولا يقصد به ويطلع عليه الرجال اختلف الفقهاء في قبول شهادة النساء فيما ليس بمال ولا يقصد به المال مما يطلع عليه الرجال غالبًا على قولين:

القول الأول:

قبول شهادة امرأتين إذا كانتنا مع رجل

القول الثاني:

عدم قبول شهادة النساء.

وقد تقدم الخلاف في هذا م، وراجح: عدم قبول شهادة النساء فيه، بل لا بد فيه من شهادة رجلين.

الفرع الرابع: شهادة النساء منفردات

اتفق الفقهاء على قبول شهادة النساء المنفردات فيما لا يطلع عليه الرجال لكنهم اختلفوا في العدد المعتبر في قبول شهادتهن، فمنهم من قال: تقبل شهادة امرأة واحدة، ومنهم من زاد على ذلك، واختلفوا في بعض المشهود به وحكم شهادة النساء منفردات فيه.

وأقوال العلماء في المسألة كما يلي:

القول الأول:

تقبل شهادة امرأة واحدة في الولادة والبكارة وعيوب النساء في المواضع التي لا يطلع عليها الرجال بشرط أن تكون المرأة مسلمة حرة. وقالوا: الثنتان أحوط من

الواحدة

وأما استهلال الطفل فيشترط فيه رجلان أو رجل وامرأتان ؛ لأنه ثبوت إرث وكذا الرضاع، فلا تقبل فيه شهادة النساء المنفردات بل لا بد فيه من رجلين أو رجل و امرأتين؛ لأنه مما يطلع عليه الرجل إذ يطلع عليه محارم المرأة، ولذا فلا يقبل في الرضاع واستهلال الطفل قول امرأة واحدة، وهو قول الحنفية[35]

القول الثاني:

 تقبل شهادة النساء المنفردات في الولادة واستهلال المولود وثبوت النسب وثبوت الإرث والرضاع من غير انتشار في الأصح عندهم، وكذا عيوب النساء وما أشبه ذلك. بشرط أن لا يقل عدد النساء في الشهادة على ما تقدم عن امرأتين عدلتين تشهدان ما رأتا. وهو قول المالكية [36]

القول الثالث:

 تقبل شهادة النساء المنفردات فيما يختص بمعرفته النساء أو لا يراه الرجل غالبا، ومثلوا لذلك بالبكارة والثيوبة والولادة والحيض والرضاع والعيوب تحت الثياب والاستهلال.

واشترطوا: أن لا يقل عدد النساء في الشهادة على ما تقدم عن أربع نسوة، فإن وجد رجلان أو رجل وامرأتان فهو أولى. وهو مذهب الشافعية

القول الرابع:

تقبل شهادة امرأة واحدة عدل فيما لا يطلع عليه الرحال غالبًا: كالبكارة والثيوبة  والحيض والولادة والرضاع والاستهلال وعيوب النساء تحت الثياب وما يحصل بينهن في الأماكن التي لا يحضرها الرحال كحمام وعرض والأحوط امرأتان خروجا من الخلاف، وإن شهد رجل فهو أولى. وهذا هو المعتمد في مذهب الحنابلة[37]

 

 

 

 

 

 

 

خاتمة:

تناولنا تعريف الشهادة لغة واصطلاحا مع اختلاف المذاهب في ذلك، ثم ذكرنا بعض أدلة مشروعيتها من الكتاب والسنة و الإجماع، كما ذكرنا شروط الشاهد في حال التحمل وفي حال الأداء، ثم تناولنا الشهادة على الحدود و القصاص، ثم بينا الشهادة على اللواط، ونصاب الشهادة على اللواط، وما يقبل فيه شهادة رجل واحد، وشهادة النساء في الحدود و القصاص، وشهادة النساء في المال وما يقصد به، وشهادة النساء في غير المال ولا يقصد به ويطلع عليه الرجال، وشهادة النساء مفردات. فذكرنا حكم ذلك وفصلنا فيه أيما تفصيل.

 



[1] المطلع على أبواب المقنع،محمد بن أبي الفتح بن أبي الفضل البعلي، أبو عبد الله، شمس الدين (ت ٧٠٩هـ)، ص :٤٠٦.

[2] المصباح المنير،  أحمد بن محمد بن علي الفيومي المقري والمتوفي 770 هـ/1368 م. ص :١٣٤، مادة (شهد).

[3] البقرة،١٨٥

[4] المحرر الوجيز لابن عطية، (٢٥٤/١).

[5] المصباح المنير، ص :١٢٤،مادة (شهد).

[6] القاموس المحيط، فيروز آبادي ،ص:٣٧٢، (الشهادة)، المطلع ص:٤٠٦.

[7] المطلع،ص٤٠٦.

[8] القاموس المحيط ٣٧٣، مادة (الشهادة).

[9] تبيين الحقائق، للزيلعي، (٣٠٧/٤)

[10] الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي، (٦٠/٦).

[11] نهاية المحتاج، للرملي، (٣٧٧/٨).

[12] الإقناع، للحجاوي (٤٣٠/٤).

[13] البقرة، الآية ٢٨٢،

[14] البقرة، الآية ٢٨٢،

[15] الطلاق الآية ٢

[16] تفسير ابن كثير، (٣٦٠/١)

[17] رواه البخاري ،كتاب الشهادات، باب:سؤال الحاكم المدعي:هل لك بينة قبل اليمين،، (١٤٣/٣)، رقم (٢٦٧٠)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب:وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار، رقم(٢٢١).

[18] رواه مسلم، كتاب؛ الإيمان، باب:وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار، (١٢٣/١)، رقم(٢٢٣).

[19] الاجماع لابن المنذر، ص:٦٣،

[20] ¹ انظر: نهاية المحتاج (۳۰۳/۸) مع حاشية الشبراملسي والمغربي.

² الضبط هو : إسماع الكلام كلما يحق سماعه ثم فهم معناه الذي أريد به، ثم حفظه ببذل مجهوده والثبات عليه بمذكراته إلى حين أدائه إلى غيره. التعريفات للجرجاني  ص ١٣٨

³ المميز هو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام ص ١٥.

⁴ انظر: حاشية الدسوقي (٦٠/٦)، وشرح منتهى الإرادات (٥٩۳/۳). والعاقل هو من عرف الواجب عقلا الضروري وغيره وعرف الممكن والممتنع وما يضره وما ينفعه. انظر الإقناع مع شرحه الكشاف(٦/٤١٦

⁵ انظر: المقدمات الممهدات (۲۸۳/۲) والممتع في شرح المقنع (٣٤٣/٦).

6 انظر : بدائع الصنائع (٢٦٦/٦)، والبحر الرائق (٧/٥٦).

⁷ انظر: الإجماع ص ٦٥

[21] ¹ الطلاق : ٢

² انظر: حاشية الدسوقي (٦٠/٦)، مغني المحتاج (٣٣٩/٦).

³ انظر: البحر الرائق (٥٦/٧).

⁴ انظر: كشاف القناع (٤١٦/٦)، والمغني (١٤٥/١٤).

⁵ البحر الرائق (٥٦/٧)، وحاشية الدسوقي (٦٠/٦)، ومغني المحتاج (١٣٣٩/٦)، وكشاف القناع )٦/ ٤١٦

6 البقرة: ٢٧٢

⁷ انظر: بداية المجتهد (٥٣٤/٢).

⁸ الذخيرة ( ۲۱۱/۱۰). وانظر: التلقين (٥٤٢/٢).

 

[22] ¹ الطلاق: ٢

² البقرة: ۲۸۲

³ فمن شروط الشاهد عندهم أن لا يكون محدودا في قذف انظر: البحر الرائق (٥٦/٧

⁴ الاختيارات الفقهية ص ٢٩٤

  البقرة ٢٨٢

⁶ تبيين الحقائق (٤/  ٢١٨

⁷ كشاف القناع ( ٦/ ١٠٠

⁸ الخرشي ( ٧/ ١٨٩)

[23]  ¹ تبيين الحقائق (۲۱٧/٤)، والاختيار التعليل المختار (٤١٠/٢).

² حاشية الدسوقي (٦٤/٦)

³ المجموع (٤٩٩/۱۸) الشرح الكبير والإنصاف (٤٠١/٢٩) وما بعدها.

⁴ انظر: المبسوط (۱۱۳/۱٦)، وحاشية الدسوقي (٦٤/٦)، وروضة الطالبين (٢١٤/١١)، وكشاف القناع (٦/ ٤١٧ )

[24] ¹ البقرة: ۱۸۷

² البقرة: ۲۲۹

³ انظر : القاموس المحيط ص٣٥٣ (الحد )  المطلع . ٣٧٠

أنيس الفقهاء ص ۱۷۳، التعريفات ص ۸۳، المطلع ص ۳۷۰

فتح الباري في أول كتاب الحدود (٦٨/١٢

تاج العروس مادة (زنا) (١٦٥/۱۰) ، وانظر: لسان العرب مادة (زنا) (٣٥٩/١٤).

وهذا التعريف لا خلاف فيه بين العلماء. انظر: بداية المجتهد (٥٠٠/٢)، والمغني (٣٤٠/١٢)

 

[25] ¹ تاج العروس مادة (زنا) (١٦٥/۱۰) ، وانظر: لسان العرب مادة (زنا) (٣٥٩/١٤ (

² وهذا التعريف لا خلاف فيه بين العلماء. انظر: بداية المجتهد (٥٠٠/٢)، والمغني (٣٤٠/١٢)

³ المعني (١٢٥/١٤).

  النساء ١٥

النور: ٤.

رواه مسلم کتاب اللعان باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل رقم (٢)

⁷ الإجماع ص ۱۱۳ وأحكام القرآن لابن العربي (٤٥٩/١)، والإفصاح (٢٣٦/٢)،

[26] ¹ الإفصاح (٣٥٦/٢)، والمغني (٣٦٣/١٢). لكن نقل ابن القيم في الطرق الحكمية (ص ١٥٣) عن عطاء بن أبي رباح قوله: «تجوز شهادة النساء مع الرجال في كل شيء، ويجوز على الزنا امرأتان وثلاثة رحال».

² النور: ١٣.

³ النساء: ١٥ .

انظر: المعني (٣٦۳/۱۲)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٨٤/٥).

انظر : بدائع الصنائع (٤٨/٧)، وحاشية الدسوقي (٩٢/٦)، وكشاف القناع (١٠٠/٦٦)، والمغني

انظر : المغني (٣٦٧/١٢

 معجم لغة الفقهاء ص ٣

[27] ¹ تبيين الحقائق (۱۸۰/۳)

² انظر: حاشية الدسوقي (٣٠٢/٦) ، ونهاية المحتاج (٤٠٣/٧)، وشرح منتهى الإرادات (٣٤٦/٣) و تبيين الحقائق (۱۸۰/۳)

³ انظر: الذخيرة (٦٥/١٢)، وروضة الطالبين (۹۰/۱۰) ، والشرح الكبير والإنصاف (٢٧١/٢٦

انظر الأقوال الثلاثة في نيل الأوطار (۱۲۲/۷).

[28] ¹ الطرق الحكمية ص ١٦٤، وانظر نحو هذا الكلام في روضة الطالبين (۹۲/۱۰)، ومغني المحتاج (٣٦٧/٦)، والمحرر لابن تيمية (٣١٢/٢)

[29] انظر: تبيين الحقائق (۳۱۹/۱)، ومغني المحتاج (۱٤۱/۲)، وكشاف القناع (٣٠٤/٢).

[30] ) الطرق الحكمية ص ١٢٦.

[31] ) انظر: حاشية الدسوقي (۱۲۹/۲)

[32] الدر المختار (ص ٤٨٤) ؛ الشرح الكبير، ٣١/٣٠

[33] القوانين الفقهية (ص٣٠٤

[34] انظر: الإجماع لابن المنذر ص ٦٤

[35] انظر: البحر الرائق (٦١/٧)، وفتح القدير (٣٧٠/٧).

[36] انظر: حاشية الدسوقي (٩٦/٦)

[37] انظر: المغني (١٣٤/١٤).

تعليقات

التنقل السريع