القائمة الرئيسية

الصفحات

تلخيص مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول للإمام الشريف محمد بن أحمد التلمساني

 تلخيص مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول للإمام الشريف محمد بن أحمد التلمساني 

الملخص: إبراهيم أحمد محمود




بسم الله الرحمن الرحيم 

وصلاة والسلام على نبيه الكريم ، أما بعد 

اعلم أن ما يتمسك به المستدل على حكم من الأحكام في المسائل الفقهية منحصر في جنسين: دليل بنفسه، ومتضمن للدليل.

الجنس الأول: الدليل بنفسه، وهو يتنوع نوعين: أصل بنفسه، ولازم عن أصل.

النوع الأول: الأصل بنفسه، وهو صنفان: أصل نقلي، وأصل عقلي.

الصنف الأول: هو الأصل النقلي.

اعلم أن الأصل النقلي يشترط فيه أن يكون صحيح السند إلى الشارع صلوات الله عليه، متضح الدلالة على الحكم المطلوب، مستمر الأحكام راجحا على كل ما يعارضه، فهذه أربعة شروط ينبغي أن نعقد في كل شرط بابا.

الباب الأول في السند

اعلم أن الأصل النقلي إما أن ينقل تواترا وإما أن ينقل آحادا.

والمتواتر: {خبر جماعة يستحيل اتفاقهم على الكذب}. وخبر الآحاد: {ما لا يبلغ حد التواتر}. فينبغي أن نعقد في كل قسم من هذين القسمين فصلا.

الفصل الأول: في التواتر

اعلم أن الأصل المستدل به: إما من الكتاب وإما من السنة.

فأما الكتاب فلابد من كونه متواترا، فإن لم يكن متواترا لم يكن قرآنا. فالاعتراض على من احتج بدليل يزعم أنه من القرآن ولم يكن متواترا بإبطال كونه متواترا، ومثاله: احتجاج أصحاب الشافعي على أن خمس رضعات هي التي توجب الحرمة، فإن كانت أقل فلا حرمة بما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: {كان فيما أنزل من القرأن عشر رضعات معلومات يحرمن} فنسخن بخمس رضعات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن مما يقرأ من القرآن.

فيقول أصحابنا: هذا باطل، لأنه لو كان قرآنا لكان متواترا، وليس بمتواتر، فليس بقرأن.

والجواب عندهم: أن التواتر شرط في التلاوة لا شرط في الحكم، وقصد المستدل بهذا إثبات حكم الخمس لا إثبات تلاوتها، فهذا جواب الشافعية عن هذا الاعتراض.

فيقول أصحابنا: هذه الزيادة ليست من القرآن، فإنها غير متواترة، ومن شرط القرآن أن يكون متوترا.

وأما السنة: فإنه لا يشترط في الخبر المستدل به أن يكون متواترا عند المحققين من الأصوليين، اللهم إلا أن يكون ذلك رافعا لمقتضى القرآن بالقطع فإنه يجب حينئذ أن يكون الخبر متواترا.

ومثال ذلك: ما يحتج به جمهور الأئمة، والرواية المعمول بها عن مالك عندنا في المسح على الخفين من الأخبار الواردة في ذلك عن الصحابة قولا وفعلا، حتى نقل ذلك أصحاب المقالات عن سبعين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فيقول المخالف: هذه كلها أخبار آحاد فلا ترفع ما اقتضاه القرآن من اعتبار الرجلين في قوله تعالى: (وأرجلكم).

والجواب عندهم: أن تلك الأخبار وإن لم يتواتر كل واحد منها بانفراده، فما تضمنه جميعا من جواز المسح على الخفين متواتر، وهذا هو المسمي بالتواتر المعنوي، كشجاعة على وجود حاتم إذ لم ينقل إلينا عن علي رضي الله عنه أو عن حاتم قضية معينة متواترة تقتضي الشجاعة أو السخاء.

وإنما نقلت وقائع متعددة كل واحد منها بخبر الواحد لكن تتضمن جميعا معنى واحد مشتركا بينها، وهو الشجاعة أو السخاء. وأما التواتر اللفظي فكالقرآن.

الفصل الثاني: في الآحاد

اعلم أن الأخبار الآحاد يتعلق الاعتراض على سندها بجهتين:

جهة إجمالية. جهة تفصيلية.

• القول في الجهة الإجمالية:

اعلم أن الأصوليين قد اختلفوا في قبول أخبار الآحاد جملة، فإذا استدل المستدل على حكم من الأحكام بخبر الآحاد، فإن للمعترض أن يمنع قبول أخبار الآحاد.

والجواب عن ذلك: ما ثبت في أصول الفقه.

ومن ذلك: ما يعترض به في رد خبر معين، كما إذا احتج أصحابنا على اشتراط الولي في النكاح بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي»، وعلى أن من مس ذكره انتقض وضوءه بقوله صلى الله عليه وسلم: «من مس ذكره فليتوضأ»، وعلى أن النبيذ حرام، بقوله صلى الله عليه وسلم" «كل مسكر حرام».

فيقول الحنفي - وهو المخالف في هذه المسائل الثلاث -: هذه الأحاديث لا تصح، فإن ابن معين قد قال: «ثلاثة لا يصح فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء: «لا نكاح إلا بولي»، و «من مس ذكره فليتوضأ»، و «كل مسكر حرام».

والجواب عندنا: أن مثل هذا لا ترد به الأحاديث إذا أتى على شروطه، لأن سبب الرد لم يبينه ابن معين، ولعل له فيه مذهبا لا يساعد عليه.

فهذا في بعض ما يتعلق بالسند الآحادي من حيث الإجمال.

• القول في الجهة التفصيلية:

اعلم أن من شرط السند أن يكون مقبول الرواة، متصلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهذان شرطان.

الشرط الأول: في قبول الرواة: اعلم أن الراوي لابد أن يكون عدلا، ضابطا، فلنتكلم في العدالة أولا، وثانيا في الضبط.

أولا: العدالة اعلم أن القدح في عدالة الراوي إما فيما يتعلق بالحديث نفسه، وإما مطلقا.

فأما ما يتعلق بالحديث نفسه فمنه:

ما إذا أنكر الأصل رواية الفرع، كما إذا احتج المالكية على افتقار النكاح إلى ولي بقوله صلى الله عليه وسلم: أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، الحديث.

فيقول أصحاب أبي حنيفة: هذا الحديث يرويه ابن جريج عن سليمان بن موسى عن ابن شهاب الزهري، قال ابن جريج: سألت عنه ابن شهاب حين لقيته، فقال: لا أعرفه، والراوي إذا أنكر ما روى لم يحتج به كالشهادة.

والجواب عند المالكية: أن الأصل لم يصرح بتكذيب الفرع، فإذا روى عنه العدل وجب العمل بما روى، ولا يضر نسيان المروي عنه، وقد جرت عادة المحدثين بأن يروى الأصل عن الفرع عن الأصل نفسه إذا نسي الأصل.

وأما الاعتراض المطلق في العدالة فمن ذلك:

أن يبين في الراوي أنه كذاب، أو متروك الحديث، كما احتج أصحابنا على عدم مشروعية جلسة الاستراحة بما روى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهض في الصلاة على صدور قدميه.

فيقول أصحاب الشافعي: هذا الحديث يرويه خالد بن إلياس بإسناده عن أبي هريرة، وخالد متروك عند أهل الحديث.

والجواب: أن الحديث الذي احتججنا به لم نروه من طريق خالد عن أبي هريرة، بل من طريق آخر، فقد رواه الأعمش بأسانيد عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وغيرهم.

فإن تعين أن الحديث له ذلك الراوي، ولم يرو عن غيره لم يصح الاحتجاج به.

ومن ذلك أن يقدح في دينه مطلقا.

مثل: ما يحتج أصحابنا على سقوط قراءة الفاتحة وغيرها عن المأموم، بما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اكان خلف الإمام فقراءة الإمام له قراءة.

فيقول أصحاب الشافعي: هذا الحديث يرويه جابر الجعفي وكان يقول بالرجعة فلا يحتج بحديثه.

والجواب عند أصحابنا: انا نروي هذا الحديث من غير طريق جابر الجعفي وهو طريق أبي حنيفة عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر بن عبد الله.

ومن ذلك: الجهل بعدالة الراوي، وهو المجهول الحال.

مثل: ما إذا احتج أصحابنا في أحد قولي المدونة على جواز استقبال القبلة لساتر من غير ضرورة بما روى خالد بن أبي الصلت بإسناده عن عائشة أنها قالت: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن قوما يكرهون استقبال القبلة بفروجهم، فقال: استقبلوا بمقعدتي القبلة، وهو خاص بالبنيان.

فيقول من خالف من أصحابنا وغيرهم: خالد بن أبي الصلت قال فيه أبو ثور إنه مجهول، والمجهول عندنا لا يحتج به.

والجواب عند أصحابنا: أن نبين أنه معروف الحال ثقة، فإن الثقات الذين لا يروون إلا عن عدل قد رووا عنه كمبارك بن فضالة، وواصل مولي أبي عيينة، وغيرهم. فإن أمكن رواية الخبر عن رجل آخر معروف فلأصحابنا أن يجيبوا بذلك واعلم أن المجهول الحال قد اختلف أهل الأصول في قبول روايته، والمسألة مشروحة في علم الأصول.

ثانيا: الضبط: والاعتراض عليه بأمرين:

أحدهما: أن يذكر المعترض أن الراوي كثير السهو والغفلة، كما إذا احتج أصحابنا المغربيون على ما رواه ابن القاسم من أن رفع اليدين في الصلاة ليس إلا عند افتتاحها فقط بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود.

فيقول المخالف من الشافعية ومن أصحابنا المشارقة: هذا يرويه يزيد بن أبي زياد وقال فيه أئمة الحديث إنه قد ساء حفظه واختلط ذهنه في آخر عمره، وقد روى عنه سفيان بن عيينة بمكة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع عند الركوع، قال سفيان: فلما قدمت الكوفة سمعته يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه عند افتتاح الصلاة ثم لا يعود. فظننت أنهم لقنوه.

والجواب عند أصحابنا: انا لم نرو هذا الحديث من طريق يزيد، بل نروي هذا الحديث من طريق عاصم بن كليب عن أبيه عن علي بن أبي طالب.

الثاني: أن يكون الراوي ممن يزيد برأيه في الحديث حتى لا يعلم ما فيه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فيه من زيادته.

ومثاله: ما احتج به أصحاب أبي حنيفة على أن راتبة الظهر قبلها أربع ركعات لا يفصل بينها بسلام بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي أربعا قبل الظهر، ويقول: أربع ركعات قبل الظهر لا يفصل بينهن بسلام تفتح لهن أبواب السماء.

فيقول أصحابنا وأصحاب الشافعي: هذا يرويه عبيدة بن المعتب الضبي، وقد قال له يوسف بن خال السمتي: هذا الذي ترويه، أكله سمعته أو بعضه؟

فقال بل بعضه سمعته وبعضه أقيس عليه، فقال: ارو لنا ما سمعت ودع ما قست، فأنا أعلم بالقياس منك، ومن كان هذا شأنه فلا يستدل بروايته لاحتمال أن يكون من رأيه.

الشرط الثاني: في اتصال الرواية بالنبي صلى الله عليه وسلم.

اعلم أن القادح في اتصال الرواية بالنبي صلى الله عليه وسلم إما انقطاع السند: وهو أن يكون بين الراويين واسطة محذوفة، وإما الإرسال: وهو أن يروي غير الصحابي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعين الصحابي الذي تلقاه منه صلى الله عليه وسلم، وإما وقف، وهو أن لاينتهى بالحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه ثلاثة قوادح:

القادح الأول الانقطاع: ومثاله احتجاج أصحابنا على أن الخائف من تلف أو حدوث مرض يتيمم، بحديث عمرو بن العاص، قال: احتلمت في ليلة باردة، في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب، فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله جل ثناؤه يقول: ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل شيئا.

فيقول: أصحاب الشافعي: هذا منقطع فإن راويه عبد الرحمن بن جبير وهو لم يسمع من عمرو بن العاص، وإذا كان منقطعا فلا يحتج به.

والجواب عند أصحابنا: أنه متصل بواسطة أبي قيس مولى عمرو بن العاص فإن عبد الرحمن سمعه من أبي قيس، وأبو قيس سمعه من عمرو بن العاص، وقد تتعلق هذه المسألة بمسألة رواية المجهول العدالة فإنها لا تقبل عند أصحابنا وتقبل عند أصحاب أبي حنيفة فإن غاية أمر الراوي المحذوف أن يكون مجهول الحال.

القادح الثاني: الإرسال: ومثاله: احتجاج أصحابنا على افتقار النكاح إلى الولي بقوله صلى الله عليه وسلم: لا نكاح إلا بولي، فيقول أصحاب أبي حنيفة هذا يرويه أبو إسحاق عن أبي بردة عن النبي صلى الله عليه وسلم وابو بردة لم يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والجواب عند أصحابنا: أن المراسيل مقبولة عندنا، فإنه لم يزل التابعون رضوان الله عليهم يرسلون الأحاديث ويحتجون بها، للعلم بأنهم لا يرسلون إلا عن عدل، وقد قال محمد بن إسحاق الإمام، سألت محمد بن يحيى عن هذا الباب، فقال: حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة صحيح عندي، فقلت: رواه شعبة والثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نعم هكذا رويناه، ولكن رواه إسرائيل عن أبي بردة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم فأسندوه، وقد كانوا يحدثون الحديث فيرسلونه، فإذا قيل لهم عمن، أسندوه، وقد رواه - أيضا - جماعة عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم.

القادح الثالث: الوقف: ومثاله احتاج أصحابنا على أن الاعتكاف لا يصح إلا بصوم، بما روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا اعتكاف إلا بصوم".

فيقول أصحاب الشافعي: هذا موقوف على عائشة، وقد قال البيهقي، لا يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

والجواب عند أصحابنا: أن الحديث رواه عطاء عن عائشة موقوفا ورواه الزهري عن عروة عن عائشة مرفوعا، وإذا ثبت رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم من طريق فلا يضر وقفه من طريق آخر، ويحتمل أن يكون في طريق الوقف فتيا.

الباب الثاني: في كون الأصل النقلي متضح الدلالة

اعلم أن اتضاح الدلالة يختلف باختلاف المتن، والمتن: إما قول وإما فعل، وإما تقرير، فهذه ثلاثة أقسام.

القسم الأول: القول

اعلم أن القول يدل على الحكم من جهتين: - من جهة منطوقه. - ومن جهة مفهومه. 

• الجهة الأولى: جهة المنطوق

اعلم أن النظر في دلالة المنطوق قد يكون في دلالته على الحكم نفسه وقد يكون في دلالته على متعلق الحكم.

والحكم يتعلق بالمحكوم عليه وهو المكلف، وبالمحكوم فيه وهو الفعل، ثم الفعل قد يتعلق بما يتأدى به كالماء والصعيد في الطهارة والرقبة والإطعام، في الكفارة، وقد يتعلق بما يتأدى به زمانا كأوقات الصلوات والصيام، ومكانا كالحرم وعرفة والمساجد.

وبالجملة فهي متعلقات للحكم بعيدة، فلذلك انحصر الكلام في هذ الجهة: في الدلالة على الحكم، وفي الدلالة على متعلق الحكم.

الطرف الأول: في الدلالة على الحكم.

اعلم أن اللفظ الدال على الحكم بمنطوقه قد يكون أمرا وقد يكون نهيا وقد يكون تخييرا.

القول في الامر:

والكلام فيه ينحصر في مقدمة وعشر مسائل.

أما المقدمة: فهي في حد الأمر، وفي صيغته الدالة عليه بالوضع.

أما حده: فهو القول الدال على طلب الفعل على جهة الاستعلاء.

وأما صيغته: فهي صيغة افعل، هي مستعملة في اللغة في خمسة عشر موضعا، وسأذكرها مجملة وهي: الأمر، والإذن، والإرشاد، والتأديب، والتهديد، والتسوية، والإهانة، والاحتقار، والامتنان، والإكرام، والتعجيز، والدعاء، والتكوين، والتمني، وزاد بعصهم الإنذار كقوله تعالى: {فأذنوا بحرب من الله ورسوله} ورده بعضهم إلى التهديد، وهو مجاز في هذه المعاني، وحقيقة في الأمر بالاتفاق.  

فهذا تمام المقدمة وأما المسائل فمنها:

المسألة الأولى: اختلفوا في الأمر المطلق، هل يقتضي الوجوب أو الندب أو غير ذلك اختلافا كثيرا، وعلى ذلك اختلافهم في مسائل كثيرة من الفقه. فمن ذلك اختلافهم في الإشهاد على المراجعة، هل هو واجب أو لا؟

فالقائلون بالوجوب وهم الشافعية يحتجون بقوله تعالى: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم} والمراد بالإمساك: المراجعة، فالإشهاد على المراجعة مأمور به، والأمر يقتضي الوجوب، فيمنع المخالف كون الأمر مقتضيا للوجوب.

وقد ذهب أبو بكر الأبهري من أصحابنا إلى أن أوامر الله تعالى تقتضي الوجوب، وأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم تقتضي الندب، والمحققون يرون جميعها للوجوب، ويحتجون على ذلك بأن تارك المأمور به عاص كما أن فاعله مطيع وقد قال تعالى: {أفعصيت أمري}، وقال: {ولا أعصى لك أمرا} وقال: {لايعصون الله ما أمرهم} وإذا كان تارك المأمور عاصيا كان مستحقا للعقاب سواء كان ذلك في أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم}، وقد قال تعالى في أمر رسوله صلى الله عليه وسلم: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}، وقد امتنع صلى الله عليه وسلم عن الأمر بالسواك لأجل المشقة فقال: لولا أن اشق على أمتي لأمرتهم بالسواك، مع أن السواك مندوب إليه، فلو كان أمره للندب لما امتنع منه.

المسألة الثانية: في كون الأمر بالشيء يقتضي المبادرة إليه أو لا يقتضيها

وقد اختلف في ذلك الأصوليون، واختلف الفقهاء في بعض الفروع بناء على هذا الأصل، كاختلاف الشافعي وأبي حنيفة في كون فريضة الحج على الفور، فمن أخرها وهو متمكن من أدائها كان عاصيا وهو مذهب أبي حنيفة، أو لا على الفور، فمن أخرها وهو متمكن من أدائها لا يكون عاصيا وهو مذهب الشافعي. وعندنا في المذهب في ذلك قولان: بناء على هذه القاعدة، فإن الله تعالى يقول: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} فاقتضت الآية أن الحج مأمور به. 

والمحققون من الأصوليين يرون أن الأمر المطلق لا يقتضي فورا ولا تراخيا، لأنه تارة يتقيد بالفور كما إذا قال السيد لعبده: {سافر الان} فإنه يقتضي الفور، وتارة يتقيد بالتراخي كما إذا قال له: {سافر رأس الشهر} فإنه يقتضي التراخي فإذا أمره بأمر مطلق من غير تقييد بفور ولا بتراخ فإنه يكون محتملا لهما، وما كان محتملا لشيئين فلا يكون مقتضيا لواحد منهما بعينه.

المسألة الثالثة: في كون الأمر يقتضي التكرار أو لا يقتضيه

اعلم أن الشارع إذا أمر بفعل، فهل يحصل بالمرة الواحدة امتثال المأمور أو لا يحصل إلا بتكرير الفعل والدوام عليه؟

قد اختلف في ذلك الأصوليون، وبنى ابن خويز منداد من أصحابنا على هذا الأصل مسألة التيمم، هل يجب لكل صلاة أو يجزئ التيمم الواحد ما لم يحدث؟

فمن قال يجب لكل صلاة يرى أن قوله تعالى: (فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه)، أمر يدل على التكرار، ويقول: إنما أجزأ الوضوء للصلوات، الكثيرة بدليل منفصل وهو حديث يعلى بن أمية: «إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح الصلوات الخمس بوضوء واحد».

والمحققون يرون أن الأمر لا يقتضي التكرار ولا المرة، بل هو صالح لكل واحد منهما، لأنه يصلح تقييده بكل واحد منهما، ألا ترى أن الشرع أمرنا بالإيمان دائما، وأمرنا بالحج مرة واحدة، ولصلاحية الأمر المطلق لكل واحد من القيدين حسن من السامع الاستفهام لما فيه من الإبهام.

ففي الحديث: أن الأقرع بن حابس أو سراقة بن مالك - لا أدري أي الرجلين - سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع، فقال: يا رسول الله أحجنا لعامنا هذا أم للأبد - يعني هل يجزئنا حجنا عن عامنا هذا فقط، فنحتاج إلى تكرير حج في كل سنة أو يجزئنا للأبد - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للأبد»، فلولا أن الأمر المطلق يحتمل التكرار والمرة الواحدة لما حسن من السائل هذا السؤال.

المسألة الرابعة: في أن الأمر الموقت بوقت موسع، هل يتعلق بأول الوقت خاصة، أو بآخره خاصة، أو لا يختص تعلقه بجزء معين من الوقت.

وقد اختلف في ذلك الأصوليون، فبعض الشافعية يرون أن الأمر متعلق بأول الوقت، فإن تأخر الفعل عن أول الوقت ووقع في آخره فهو قضاء سد مسد الأداء.

وبعض الحنفية يرون أن الأمر متعلق بآخر الوقت، فإن قدم في أوله فهو نفل سد مسد الفرض.

والمحققون في الأصوليين يرون أن الأمر لا يختص تعلقه ببعض معين من الوقت، فإنه لو تعلق بأوله لكان المؤخر عاصيا بالتأخير، ولكان قاضيا لا مؤديا، وحينئذ يجب عليه أن ينوي القضاء وهو خلاف الإجماع، ولو تعلق الأمر بآخر الوقت لكان المقدم متطوعا لا ممتثلا للأمر، ولوجبت عليه نية التطوع، ولما أجزأت عن الواجب كما لو فعلها قبل الوقت، وهذا خلاف الإجماع، فثبت ان الأمر لا يتعلق ببعض معين.

ومما ينبني على هذا الأصل اختلافهم في الصبي إذا صلى في أول الوقت ثم بلغ قبل انقضاء الوقت.

القول في النهي

اعلم أن الكلام في النهي منحصر في مقدمة، ومسألتين إذ هما أهم مسائله.

أما المقدمة فهي: في حد النهي وصيغته.

أما حده فهو: القول الدال على طلب الامتناع من الفعل على جهة الاستعلاء.

وأما صيغته فهي: {لا تفعل} وقد استعملت في اللغة في ستة، معان: وهي: النهي، والدعاء، وبيان العاقبة، واليأس، والإرشاد، والتحقير. 

وهي حقيقة في النهي إجماعا، ومجاز في غيره، فلذلك لا تخرج عن معنى النهي إلا لقرينة.

وإذا تمت هذه المقدمة فلنتكلم في المسألتين:

المسألة الأولى: في كون النهي مقتضيا للتحريم أو للكراهة

وقد اختلف في ذلك، ومذهب الجمهور أنه للتحريم، لأن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم لم يزالوا يحتجون بالنهي على التحريم، وأيضا ففاعل ما نهي عنه عاص إجماعا، لأنه قد خالف ما طلب منه، والعاصي يستحق العقاب، وكل فعل يستحق فاعله العقاب فهو حرام، فالنهي يقتضي التحريم.

وينبني على هذا مسائل كثيرة من الفقه، فمن ذلك:

الصلاة في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومعاطن الإبل، وفوق ظهر الكعبة، فإن العلماء اختلفوا في كون الصلاة في هذه المواضع محرمة أو مكروهة.

وعندنا في المذهب في ذلك خلاف، مبناه على أن النهي هل يدل على تحريم المنهي عنه أو لا؟ وقد نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في هذه المواضع السبعة، أخرجه الترمذي.

المسألة الثانية: في النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أو لا؟

في ذلك خلاف بين الأصوليين، والجمهور منهم على أنه يدل على فساد المنهي عنه إلا ما خرج بدليل منفصل.

وعلى هذا الأصل اختلف الفقهاء في نكاح الشغار، هل يفسخ أو لا؟

فالمالكية والشافعية يحكمون بفسخه، والحنفية لا تحكم بذلك،

وفي الحديث: {إن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن نكاح الشغار} فمن رأي أن النهي يدل على فساد المنهي عنه حكم بفسخ نكاح الشغار، ومن رأي أنه لا يدل على فساده لم يحكم بفسخه؟

ومنه بيع وشرط، فإن النبي صلى الله عليه وسلم: نهي عن بيع وشرط. ومنه بيع وسلف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهي عن بيع وسلف".

وتحقيق المذهب أن النهي عن الشيء إن كان لحق الله تعالى فإنه يفسد المنهي عنه، وإن كان لحق العبد فلا يفسد المنهي عنه.  

واعلم أن النهي يقتضي الدوام والفور، وكون ضد المنهي عنه مأمور به، كما أن ضد المأمور به منهي عنه.

القول في التخيير

اعلم أن اللفظ الدال على التخيير بين الفعل والترك لا يدل على تسوية الطرفين، ألا ترى أن المسافر مخير بين الصوم والفطر، والصوم أفضل عند جمهور أصحابنا، والفطر أفضل عند بعضهم.

وكذلك هو مخير بين الإتمام والقصر في السفر، والقصر أفضل. وكذلك العبد والمرأة والمسافر مخيرون في يوم الجمعة بين صلاة الجمعة وبين الظهر، والجمعة أفضل. وإذا كان كذلك لم يصح الاحتجاج على التسوية بين الطرفين بالتخيير بينهما.

والذين يرون أن المندوب مأمور به، والمكروه منهي عنه، يجعلون التخيير مختصا بالإباحة.

وقد اختلفوا في كون الإباحة حكما شرعيا، أو حكما عقليا ثابتا بالبراءة الأصلية، وينبني على ذلك مسائل: نشير إلى بعضها في فصل القياس، إن شاء الله تعالى.

فهذا تمام الكلام في التخيير، وبه تم الكلام في الطرف الأول.

الطرف الثاني: في الدلالة على متعلق الحكم.

اعلم أن اللفظ إما أن يحتمل معنيين أو لا يحتمل إلا معنى واحدا، فإن لم يحتمل بالوضع إلا معنى واحدا فهو {النص}، وإن احتمل معنيين، فإما أن يكون راجحا في أحد المعنيين أو لا يكون راجحا، فإن لم يكن راجحا في أحد المعنيين فهو {المجمل}، وهو غير المتضح الدلالة، وإن كان راجحا في أحد المعنيين، فإما أن يكون رجحانه من جهة اللفظ، أو من جهة دليل منفصل، فإن كان من جهة اللفظ فهو {الظاهر}، وإن كان من جهة دليل منفصل فهو {المؤول}.

فخرج من هذا: أن اللفظ إما نص، وإما مجمل، وإما ظاهر، وإما مؤول.

فينبغي أن نعقد في كل قسم من هذه الأربعة فصلا.

الفصل الأول في النص

وهو لا يقبل الاعتراض إلا من غير جهة دلالته على ما هو نص فيه:

ومثاله: احتجاج أصحابنا على أن غسل الإناء من ولوغ الكلب سبع لا ثلاث بقوله صلى الله عليه وسلم: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا.

والحنفية يوجبون الغسل ثلاثا، لكنهم لا ينازعون في دلالة لفظ السبع، على العدد المعلوم، بل يقولون: كان أبو هريرة يفتي بغسل الإناء ثلاثا، وهو راوي الحديث، فدل على أن الحديث غير معمول به.

وقد يعتقد معتقد في العدد أنه نص في القصر عليه، وهو في الحقيقة ليس بنص في ذلك، بل هو نص في الانتهاء إليه، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم، فإن ذلك لا يدل نصا على منع الزيادة على الخمس، بل ولا بمنطوقه، وإنما يدل بمفهومه، وللعدد مفهوم كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

فهذا تمام الكلام في النص.

الثاني في الفصل المجمل

قد قدمنا أن المجمل لا يكون متضح الدلالة، إذ لو اتضح مدلوله لم يكن مجملا فينحصر الكلام في المجمل في ثلاثة مطالب:

✓ المطلب الأول في التعريف بأسباب الإجمال:

اعلم أن الإجمال تابع للاحتمال، والاحتمال في اللفظ: إما في حالة الإفراد، وإما في حالة التركيب.

والاحتمال في حالة الإفراد: إما في نفس اللفظ، وإما في تصريفه، وإما في لواحقه، فهذه ثلاثة أقسام.

والاحتمال في التركيب: إما في اشتراك تأليفه بين معنيين، وإما بتركيب المفصل وإما بتفصيل المركب، فهذه ثلاثة أقسام.

فجميع أسباب الاحتمال ستة أقسام.

السبب الأول: الاشتراك في نفس اللفظ: ومثاله: استدلال أصحابنا على أن الاعتداد بالأطهار بقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} والقرء في اللغة الطهر

فتقول الحنفية: لفظ القراء يحتمل الحيض بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: دعي الصلاة أيام أقرائك، وإنما المراد: أيام الحيض لا أيام الطهر.

والدليل على ثبوت الاشتراك بين المعنيين لغة اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم في ذلك، وهم أهل اللغة.

السبب الثاني: التصريف: ومثاله: احتجاج بعض أصحابنا على أن الحضانة في الولد حق له لا لها بقوله تعالى: {لا تضار والدة بولدها} فنهى المرأة عن أن تضر بالولد، فدل على أن الحق له عليها.

فيقول من زعم غير ذلك من أصحابنا: يحتمل أن يكون ذلك لا تضارر بكسر الراء فيصح الاستدلال، ويحتمل أن يكون لا تضارر بفتح الراء فيكون الفعل مبنيا لما لم يسم فاعله فلا يصح الاستدلال.

والجواب عند الأولين: أن احتمال الفاعلية متعين، لأن الخطاب حينئذ يتعلق بمعين، وأما على الاحتمال الثاني فيتعلق الخطاب بغير معين لكن المأمور والمنهي من شرطه أن يكون معينا لا مبهما.

السبب الثالث: اللواحق من النقط والشكل: ومثاله: احتجاج أصحابنا على المنع من بيع ذهب وعرض بذهب بحديث فضالة بن عبيد: أن رجلا سأل رسول صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ابتعت قلادة فيها خرز وذهب بذهب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حتى تفصل، فأمر بالتفصيل ونهي عن البيع مجملا، فدل على أن بيع سلعة وذهب بذهب لا يجوز.

فيقول أصحاب أبي حنيفة: هذا الحديث قد ورد في رواية أخرى: حتى تفضل بالضاد المعجمة مخففة، أي يكون في الذهب فضل على مقدار الذهب المضاف مع السلعة، ولما كانت القصة واحدة، علمنا أن اللفظين معا لم يصدرا عن النبي صلى الله عليه وسلم لتنافي معنييهما، وأن اللفظ الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم واحد معين في نفسه مجهول عندنا فلا يحتج به.

والجواب عند أصحابنا: أن رواية الصاد غير المعجمة أصح عند المحدثين، وهي المحفوظة عندهم، ويعضدها ما روى من طريق آخر أنه قال: {لا حتى تميز} فوجب أن تكون إحدي الروايتين مفسرة للأخرى، ثم إن رواية الضاد المعجمة تستلزم زيادة النقطة، والأصل عدمها.

السبب الرابع: اشتراك التأليف: ومثاله: احتجاج أصحابنا على أن للأب أن يسقط نصف الصداق المسمى عن الزوج إذا طلق قبل البناء، بقوله تعالى: {أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح} والذي بيده عقدة النكاح، هو الولي في وليته.

فيقول أصحاب الشافعي: هذا التأليف مشترك بين الزوج والولي، لأن الزوج أيضا يصدق عليه أنه الذي بيده عقدة النكاح.

والجواب عند أصحابنا: أن نسق الآية يدل على أنه الأب، لأن ذلك كله مستثني من قوله: {فنصف ما فرضتم} أي فالواجب نصف ما فرضتم إلا أن يقع عفو من المرأة إن كانت مالكة أمر نفسها، أو من وليها إن كانت في حجره.

السبب الخامس: تركيب المفصل: ومثاله: احتجاج أصحاب أبي حنيفة على جواز الوضوء بنبيذ التمر، بقوله صلى الله عليه وسلم: تمرة طيبة وماء طهور، فحكم على النبيذ بأنه ماء طهور.

فيقول أصحابنا: هذا اللفظ يحتمل أن يكون المراد به التركيب، أي مجموع من تمرة طيبة ومن ماء طهور، لا أنه بعد المزج والتركيب يصدق عليه أنه تمرة طيبة وانه ماء طهور، ألا ترى أن الخمسة تركبت من زوج وفرد، أي من اثنين وثلاثة، ولا يصدق كل واحد منهما بانفراده على الخمسة، إذ لا يصدق على الخمسة أنها زوج، وكما تقول في المز، إنه حلو حامض فإنه يصدق هذا الكلام على المز ولا يصدق عليه انه حلو وحده، ولا أنه حامض وحده، فثبت أن اللفظ  قد يصدق حالة التركيب على معنى لا يصدق عليه حالة التفصيل، فمن الجائز أن يكون قوله صلى الله عليه وسلم، تمرة طيبة وماء طهور، مما يصدق مجموعا ولا يصدق مفردا، ولا يتم الاستدلال به إلا إذا كان يصدق مفردا.

والجواب عند الحنفية: إن الحديث يعين أن المراد به التفصيل لا التركيب بدليل ما روي أنه صلى الله عليه وسلم: توضأ به.

السبب السادس: تفصيل المركب: ومثاله: احتجاج أصحابنا على أن الاقتصار على مسح الناصية وحده لا يجوز، وان المسح على العمامة وحده لا يجوز بما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وعلى العمامة، فلو كفاه المسح على الناصية لاقتصر عليه، ولو كفاه المسح على العمامة لاقتصر عليه.

فيقول أصحاب أحمد بن حنبل، ومن يخالفنا في هذه المسألة:

يحتمل أن يكون هذا في وضوء واحد، ويحتمل أن يكون من وضوءين، مسح بناصيته في وضوء ومسح على العمامة في وضوء، ومع هذا لا دليل على المنع من الاقتصار على أحدهما.

والجواب عند أصحابنا: أن المغيرة راوي الحديث ذكر أنه وضوء واحد.

فهذه جملة أسباب الاحتمال في اللفظ.

✓ المطلب الثاني: في بيان القرائن المرجحة لأحد الاحتمالين.

وهي إما لفظية، وإما سياقية، وإما خارجية.

i. القرينة اللفظية

مثالها: ما قدمناه عن ابن الأنباري في قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} وهو أن القرء إذا جمع على قروء فالمراد به الطهر لا الحيض، والجمع قد يختلف باختلاف المعاني، وإن كان اللفظ المفرد مشتركا، ألا ترى أن العود مشترك بين الخشبة - وجمعه إذ ذاك أعواد - وبين آلة الغناء - وجمعه إذ ذاك عيدان، وكذلك الأمر مشترك بين القول المخصوص - وجمعه إذا ذاك أوامر - وبين الفعل - وجمعه إذ ذاك أمور.

ومن ذلك قول أصحابنا: الأطهار مذكرة فيجب ذكر التاء في العدد المضاف إليها، فيقال: ثلاثة أطهار، والحيض مؤنثه [فيجب حذف التاء من العدد المضاف إليها، فيقال: ثلاثة حيض، ولما قال الله تعالى، {ثلاثة قروء} بالتاء علمنا أنه أراد الأطهار.

والحنفية يجيبون عن هذا: بأن المعنى الواحد قد يكون له لفظان أحدهما مذكر والاخر مؤنث]. فيكون التأنيث فيه لفظيا لا معنويا، ألا ترى أنك تقول: جسد وجثة، والمراد واحد، ثم تقول: ثلاثة أجساد وثلاث جثث، ولما كان لفظ الحيضة مؤنثا وجب حذف التاء في جمعه، ولما كان لفظ القرء مذكرا وجب ذكر التاء في جمعه فقس على هذه القرائن اللفظية أمثالها.

ii. القرينة السياقية

مثالها: احتجاج الحنفية وبعض أصحابنا على جواز انعقاد النكاح بلفظ الهبة، بقوله تعالى: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} وإذا جاز انعقاد نكاح النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الهبة جاز انعقاد أنكحة الأمة به بالقياس عليه.

فيقول أصحاب الشافعي: لما قال الله تعالى: {خالصة لك من دون المؤمنين} دل ذلك على اختصاصه صلى الله عليه وسلم بشيء دون المؤمنين، فيحتمل أن يكون ذلك الشيء هو جواز النكاح بلا مهر، ويحتمل أن يكون ذلك جواز انعقاد نكاحه بلفظ الهبة، وإذا كان اللفظ محتملا للمعنيين لم يصح القياس حتى يترجح أن المراد بالاختصاص هو ملك البضع من غير عوض لا جواز النكاح بلفظ الهبة.

iii. القرينة الخارجية

وهي موافقة أحد المعنيين لدليل منفصل من نص أو قياس أو عمل.

ومثال الأول: ما إذا قال أصحابنا: المراد بالقروء الأطهار، 

والدليل عليه قوله تعالى: {يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} فأمر بطلاقهن طلاقا يستعقب عهدتهن ولا تتراخي العدة عنه، ولذلك قرأ ابن مسعود، لقبل عدتهن، وليس ذلك إلا في الطهر لا في الحيض، فإن الطلاق في الحيض حرام.

والحنفية يرجحون احتمالهم بقرينة خارجية أيضا، فيقولون: قال الله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} فجعل الأشهر بدلا عن الحيض لا عن الأطهار، فدل أن الحيض أصل في العدة، ألا ترى أنه تعالى قال في التيمم: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} فعلمنا أن الماء هو الأصل، وأن الصعيد بدل عنه.

وأما الثاني وهو موافقة القياس فمثاله: قول أصحابنا وأصحاب الشافعي: إن العدة لما كانت مأمورا بها كانت عبادة من العبادات، والشأن في العبادة أن الحيض ينافيها، ولا تتأدى فيه، فضلا عن ان تتأدى به، ألا ترى أن الصلاة والصيام والطواف لا تصح مع الحيض بخلاف الطهر، فالقياس يقتضي في العدة أنها تتأدي بالطهر لا بالحيض، وإذا كان كذلك وجب حمل القروء في الاية على الأطهار، لا على الحيض.

والحنفية يرجحون احتمالهم أيضا بقياس آخر، وهو أن القصد من العدة استبراء الرحم، والعلامة الدالة على براءة الرحم في العادة إنما هي الحيض لا الطهر، فإن الطهر تشترك فيه الحامل والحائل، والحيض إنما هو في الغالب مختص بالحائل، ولذلك كان الاستبراء بالحيض لا بالطهر، وإذا كان كذلك وجب حمل القروء في الآية على الحيض لا على الأطهار.

وأما الثالث وهو موافقته لعمل الصحابة، فمثاله: احتجاج العلماء على وجوب غسل الرجلين بقوله تعالى: {وأرجلكم} بالنصب فيكون معطوفا على قوله: {وجوهكم وأيديكم}.

فيقول المعترض: يحتمل أن يكون معطوفا على الوجه واليدين كما ذكرتم ويحتمل أن يكون معطوفا على الرأس.

والجواب عند العلماء: أنه لم ينقل عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم إلا الغسل لا المسح، فكان ذلك دليلا على ان المراد بقوله تعالى: {وأرجلكم} الغسل، ويكون معطوفا على قوله: وجوهكم وأيديكم.

✓ المطلب الثالث: في مسائل ذكرها الأصوليون واختلفوا في كونها مجملة أو ليست بمجملة، وهي ست مسائل:

المسألة الأولى: في إضافة الأحكام الشرعية إلى الأعيان، هل يوجب إجمالا أو لا؟

ومثاله: قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم}، وقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} فإنه أضاف التحريم إلى ذات الأم، وذات الميتة، والتحريم حكم شرعي فلا يتعلق إلا بفعل.

وقد اختلف في مثل هذا، هل هو مجمل أو لا؟

والقائلون بأنه مجمل يرون أنه لما استحال تعلق التحريم بالاعيان وجب أن يضمر في الكلام ما يصح أن يتعلق به التحريم، وإذا تعين الإضمار فإما أن يضمر الجميع هو باطل، لأن الإضمار على خلاف الأصل، وإنما يضمر البعض، والبعض المضمر: إما معين أو غير معين، والمعين باطل، وإذا بطل أن يكون الفعل المضمر معينا وجب أن يكون غير معين وحينئذ يكون اللفظ مجملا.

والمحققون يرون: أنه ليس بمجمل، ويعينون المضمر بالعرف والسياق: لأن العرف والسياق يدلان على أن المضمر هو المعنى المقصود من الأم وهو الاستمتاع، ومن الميتة هو الأكل.

المسألة الثانية: في الكلام الذي يتوقف صدقه على الإضمار، هل هو مجمل أو لا؟

ومثاله: قوله صلى الله عليه وسلم: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، فإن نفس الخطأ ونفس النسيان واقعان في الأمة، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم واجب الصدق، فلابد من إضمار، والكلام في هذه المسألة كالكلام في التي قبلها.

والذي يعين ذلك المضمر يقول: العرف في مثل هذا رفع المؤاخذة به، أي لا تؤاخذ أمتي بخطأ ولا نسيان.

المسألة الثالثة: في دخول النفي على الحقائق الشرعية: مثل: قوله صلى الله عليه وسلم: لا نكاج إلا بولي، ولا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، ولا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل.

وقد اختلف في ذلك، فمن يرى أنها مجملة يقول: يتعذر نفي هذه الحقائق لأجل أنها توجد بدون هذه الشروط فيتعين الإضمار، فيحتمل أن تضمر الصحة، أي لا نكاح صحيح، ولا صيام صحيح، ويحتمل أن يضمر الكمال، أي لا نكاح كامل، ولا صيام كامل ومع هذا الاحتمال يثبت الإجمال فلا يستدل بشيء من هذه على عدم الصحة.

ومن يرى أنها غير مجملة: منهم من يمنع الاحتياج إلى الإضمار، لأن هذه لما كانت حقائق شرعية صح تعلق النفي بها، وما يوجد منفكا عن الشروط فليس بنكاح شرعي، ولا صيام شرعي.

ومنهم من يسلم الإضمار ويقول: يتعين نفي الصحة لأنه إذا انتفت الصحة انتفت الفائدة منه، والعرف في مثل نفي الفائدة كقولهم: لا علم إلا ما نفع، 

الفصل الثالث: في الظاهر

اعلم أن الظاهر: هو اللفظ الذي يتحلم معنيين وهو راجح في أحدهما من حيث الوضع، فلذلك كان متضح الدلالة، ولاتضاح الدلالة من جهة الوضع أسباب ثمانية.

السبب الأول: الحقيقة وهي في مقابلة المجازوالحقيقة: اللفظ المستعمل فيما وضع له كإطلاق لفظ الأسد على الحيوان المفترس، والمجاز: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بينه وبين ما وضع له، كإطلاق لفظ الأسد على الرجل الشجاع فإذا كان اللفظ محتملا لحقيقته ومجازه فإنه راجح في الحقيقة.

والحقيقة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: حقيقة لغوية وفي مقابلتها مجاز لغوي. وحقيقة شرعية وفي مقابلتها مجاز شرعي. وحقيقة عرفية وفي مقابلتها مجاز عرفي.

السبب الثاني: الانفراد في الوضع، وفي مقابلته الاشتراك اعلم ان الاشتراك على خلاف الأصل، ومثاله: ما احتج به الجمهور من الأصوليين على أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم محمول على الوجوب، وهو قوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره، أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم).

فيقول المخالف: يحتمل أن يراد بأمره، الأمر القولي، ويحتمل أن يراد به الشأن والفعل، كقوله تعالى: (وما أمر فرعون برشيد)، وإذا صح إطلاق لفظ الأمر على غير القول المخصوص - والأصل في الإطلاق الحقيقة - لزم اشتراك لفظ الأمر بين المعنيين، ومع الاشتراك يبطل الاستدلال.

فيقول الجمهور: الأصل في الأفصل الانفراد لا اشتراك، فوجب انفراد لفظ الأمر بأحد المعنيين بالوضع، وأن تكون دلالته على المعنى الآخر بالمجاز، وقد أجمعنا على أنه حقيقة في القول، فوجب كونه مجازا في الفعل، وقد تقدم أن اللفظ يجب حمله على حقيقته دون مجازه

السبب الثالث: التباين، وفي مقابلته الترادف اعلم أن الأصل في الألفاظ أن تكون متباينة لا مترادفة.

ومثاله: ما احتج به أصحابنا على أن التيمم عام جوازه بكل ما صعد على وجه الأرض، وذلك قوله تعالى: (فتييموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) والصعيد مشتق من الصعود، فكان هذا عاما في كل ما صعد على وجه الأرض.

فيقول أصحاب الشافعي: الصعيد مرادف للتراب، وقد قال صاحب الصحاح: «الصعيد التراب»، وقال الشافعي - وهو من أهل اللغة -: «الصعيد لا يقع إلا على التراب».

والجواب عندنا: أن الصعيد إذا صدق على التراب، فإما أن يسمى به، لأنه صعد على الأرض، وإما أن يسمى به من غير اعتبار هذا الاشتقاق، بل كتسميته بالتراب، وعلى التقدير الثاني، يلزم الترادف وهو خلاف الأصل، فوجب كون لفظ الصعيد، مباينا للفظ التراب، ووجب اعتبار الاشتقاق فيه، وحينئذ يصدق على كل ما على وجه الأرض أنه صعيد.

السبب الرابع: الاستقلال وفي مقابلته الإضمار اعلم أن الأصل في اللفظ أن يكون مستقلا، لا يتوقف على إضمار.

ومثاله: ما احتج به بعض أصحابنا على حرمة أكل السباع، وهوقوله صلى الله عليه وسلم: أكل كل ذي ناب من السباع حرام.

فيقول من يخالف من أصحابنا: إنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم ما أكلته السباع، لا أن السباع لا تؤكل، ويكون الحديث مطابقا لقوله تعالى: {وما أكل السبع إلا ما ذكيتم}.

والجواب عند الأولين: أنا إذا حملنا الكلام على ما يوافق الاية يلزم الإضمار والحذف، فكأنه قال: أكل مأكول كل ذي ناب من السباع حرام فلا يكون الكلام في الحديث مستقلا، والأصل في الكلام الاستقلال.

السبب الخامس: التأسيس وفي مقابلته التأكيد ومثاله: استدلال أصحابنا على أن المتعة غير واجبة على المطلق، بقوله تعالى: {حقا على المحسنين،} {حقا على المتقين} والواجب لا يختص بالمحسنين ولا بالمتقين، فيقول المعترض من المخالفين، إنما قال سبحانه حقا على المحسنين ـ، وعلى المتقين. تأكيدا للوجوب، لأنه إذا خص الأمر بالمحسن والمتقي، بعث ذلك سائر المطلقين على العمل بها، رجاء أن يكونوا من المحسنين والمتقين، وإذا كان تأكيدا للوجوب فلا يكون دليلا على عدمه.

والجواب عند أصحابنا: أن الأصل عدم التأكيد، بل الأصل في الكلام التأسيس.

السبب السادس: الترتيب، وفي مقابلته التقديم والتأخير ومثاله: ما احتج به أصحابنا ومن وافقهم على أن العود في الظهار شرط في وجوب الكفارة، بقوله تعالى: {والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا}

فيقول المخالف: إنما تقدير الاية: والذين يظهرون من نسائهم فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا، ثم يعودون لما قالوا، أي من حرم امرأته بالظهار فعليه الكفارة، ثم بعد ذلك يعود إلى حل الوطء، سالما من الإصم، وهذا لأن الظهار بمجرده منكر من القول وزور، فكان بمجرده موجبا للكفارة.

والجواب عند أصحابنا: أن الأصل في الكلام بقاؤه على ما هو عليه من الترتيب وعدم التقديم والتأخير فيه.

السبب السابع: العموم وهو: كون اللفظ مستغرقا لكل ما يصلح له، وفي مقابلته الخصوص وهو: كونه مقصورا على بعض ما يتناوله.

السبب الثامن: الإطلاق وفي مقابلته التقييد اعلم ان اللفظ إذا كان شائعا في جنسه يسمى مطلقا، والأصل في اللفظ المطلق بقاؤه على إطلاقه.

ومثاله: ما احتج به الحنفية على أن الرقبة الكافرة تجزيء في كفارة الأيمان، بقوله تعالى: {أو تحرير رقبة}، وفي كفارة الظهار، بقوله تعالى: {فتحرير رقبة} فتقول المالكية والشافعية: المراد بالرقبة في الآيتين: الرقبة المؤمنة، كما صرح به سبحانه في كفارة القتل.

والجواب عند الحنفية: أن ذلك تفييد للفظ المطلق، والأصل بقاؤه على إطلاقه.

الفصل الرابع: في المؤول

اعلم: أن المؤول متضح الدلالة في المعنى الذي تؤول فيه، فيه، لأنه راجح فيه، إلا أن رجحانه لما كان بدليل منفصل كان في اتضاح دلالته ليس كالظاهر.

ولما كانت أسباب الظهور ثمانية، كانت التأويلات ثمانية.

التأويل الأول: حمل اللفظ على مجازه لا على حقيقته

التأويل الثانيالاشتراكوهذا في الحقيقة ليس بتأويل، لأن الاشتراك أقرب إلى الإجمال، لكن إذا أثبت المستدل أن اللفظ حقيقة في كل واحد من المعنيين اللذين يحتملهما اللفظ فله بعد ذلك أن يرجع أحد المحتملين بأدني مرجح، ويكفيه ذلك.

التأويل الثالث: الإضمار: ومثاله: احتجاج أصحابنا على أن الجنب، لا يدخل السجد بقوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل}، والمراد: لا تقربوا مواضع الصلاة.

فيقول المخالف: هذا تقدير فيه الإضمار، والأصل عدمه.

والجواب عند أصحابنا: أنه لما استثي منه عابري السبيل، دل على أن المراد موضع الصلاة، لا نفس الصلاة لاستحالة العبور في الصلاة نفسها.

التأويل الرابع الترادفومثاله: احتجاج بعض أصحابنا على أنه لا يجوز الانتفاع بجلد الميتة وإن دبغ بقوله صلى الله عليه وسلم، لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولاعصب.

فيقول المخالف من أصحابنا: إنما الإهاب مخصوص بما لم يدبغ، كما قال الجوهري، ولأنه لم يوضع للجلد غير المدبوغ اسم يخصه غير الإهاب، فلا يعرف إلا بتقييد الجلد ووصفه، فاستحق اسما موضوعا له للحاجة إلى ذلك، فإن جعلناه مرادفا للجلد لزم منه مخالفة، الأصل، وتخلف الوضع عن الحاجة التي هي علته، فكان خصوص الإهاب بالجلد غير المدبوغ أولى.

التأويل الخامسالتأكيدومثاله: احتجاج أصحابنا على وجوب مسح جميع الرأس، بقوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} فإنه تعالى لو قال: وامسحوا رءوسكم لوجب فيه التعميم، فكذلك مع الباء لأن الباء لا تصلح أن تكون مانعة من التعميم، وإلا لما وجب التعميم في مسح الوجه في التيمم في قوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم} وإذا لم تصلح الباء للمنع من التعميم وجب التعميم.

فتقول الشافعية: ومن وافقهم: لو كان التعميم واجبا لم يكن لذكر الباء معنى: لأن وجودها وعدمها حينئذ سواء.

فإن قلتم: إنها للتأكيد، قلنا: التأكيد على خلاف الأصل.

التأويل السادس: التقديم والتأخيرومثاله: تأويل الحنفية قوله صلى الله عليه وسلم، لعبد الرحمن بن سمرة: يا عبد الرحمن بن سمرة إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير، بأن فيه تقديما وتأخيرا.

فيقول أصحابنا وغيرهم ممن احتج بهذا الحديث على جواز التكفير قبل الحنث: الأصل عدم التقديم والتأخير، وبقاء الترتيب على حاله.

والجواب عند الحنفية أنا إذا أبقيناه على ترتيبه لزم وجوب تقديم الكفارة على الحنث، ولا قائل به، لما في دلالة {ثم} من الترتيب والأمر للوجوب.

التأويل السابع: التخصيص: وهو قد يكون بمتصل، وقد يكون بمنفصل. فأما المتصل فهو أربعة الاستثناء، والشرط والغاية والصفة، وأما المنفصل فهو المبهم.

التأويل الثامنالتقييداعلم أن صورة التقييد إما أن تتحد مع صورة الإطلاق في السبب والحكم معا وإما أن تتحد في السبب وتختلف في الحكم، وإما أن تختلف في السبب وتتحد في الحكم، وإما أن تختلف في الصورتان فيهما معا.

فأما إن اتحدث في السبب والحكم، فلا خلاف أنه يحمل المطلق على المقيد، كقوله صلى الله عليه وسلم: لا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدين، وفي رواية أخرى: لا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل، فإنه يجب هنا تقييد الشهود بالعدالة، وإنما لم يقييده أبو حنيفة وأجاز النكاح بحضور الفاسقين، لأن الخبر لم يثبت عنده، 

وأما إن اختلف السبب والحكم فلا خلاف في عدم حمل المطلق على المقيد، كقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} فاليد مطلقة وقوله تعالى: {وأيديكم إلى المرافق} فاليد مقيدة.

وأما إن اختلف السبب واتحد الحكم، فإنه يحمل المطلق على المقيد عندنا بجامع، وقيل: بغير جامع، ولا يحمل إن لم يكن جامع.

ومثاله: احتجاج أصحابنا بقوله تعالى في كفارة القتل: {فتحرير رقبة مؤمنة}، على اعتبار الإيمان في كفارة الظهار، فإن الكفارة في آية القتل مقيدة فتحمل عليها الكفارة في آية الظهار.

وأما إن اتحد السبب واختلف الحكم - وهو عكس القسم الذي قبله - فقد اختلف أيضا في حمل المطلق على المقيد.

ومثاله: هل تجب مراعاة الأوسط في الكسوة أو لا:

فيقول من أوجب ذلك: لما قال الله تعالى في الإطعام في كفارة اليمين بالله: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} ثم قال: {أو كسوتهم} فأتى بالكسوة مطلقا، وجب تقييدها بالأوسط، فكأنه قال: من أوسط ما تكسون أهليكم، لأن السبب واحد.

فيقال: لا يجب رد المطلق إلى المقيد إلا عند تشابه الأحكام وتماثلها، وأما إذا اختلفت بالانواع فلا، أفلا ترى أنه قيد الصيام في كفارة الظهار بالتتابع، فقال تعالى: {فصام شهرين متتابعين} والتتابع لا يجب في إطعام ستين مسكينا إجماعا، أي لا يجب أن يطعم بعضهم عقب بعض، وما ذاك إلا لاختلاف الأنواع.

فهذا تمام الكلام في المؤول.

• الجهة الثانية: في دلالة القول بمفهومه.

اعلم أن المفهوم على قسمين: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة.

فمفهوم الموافقة: هو أن يعلم أن المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به، ويسمى أيضا: "فحوى الخطاب".

ومثاله قوله سبحانه: {فلا تقل لهما أف} فإن الشرع إذا حرم التأفيف كان تحريم الضرب أولى.

وقوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} فعلمنا أنه من يعمل مثقال فيل أولى أن يراه.

واعلم ان مفهوم الموافقة ينقسم إلى جلي وخفي.

فالجلي - ما قدمنا - والخفي كقول الشافعية في قاتل النفس عمدا: أنه تجب عليه الكفارة لأنها لما وجبت على القاتل خطأ كان وجوبها على القاتل عمدا أولى.

وأما مفهوم المخالفة وهو: أن يشعر المنطوق بأن حكم المسكوت عنه مخالف لحكمه - وهو المسمى بـ {دليل الخطاب} - فقد اختلف فيه:

فأكثر أصحابنا وأصحاب الشافعي على القول به، والجمهور من الحنفية على إنكاره واعتمد أصحابنا في إثباته على النقل عن أئمة اللغة.

ومن شروطه عند القائلين به خمسة شروط.

الشرط الأول: أن لا يخرج مخرج الغالب: كقوله تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا}، والبغاء: الزنا، ومفهومه أن الفتيات يكرهن عليه إن لم يردن تحصنا، لكن يقال: هذا خرج مخرج الغالب، فإن من لم ترد التحصن من الفتيات، فمن شأنها أن لاتحتاج إلى إكراه.

الشرط الثاني: أن لا يخرج عن سؤال معين كقوله صلى الله عليه وسلم: {صلاة الليل مثنى مثنى} فإن هذا الحديث خرج عن سؤال سائل عن صلاة الليل، فقد روى في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل، فقال: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح فليركع ركعة توتر له ما قد صلى، وإذا كان هذا الحديث وقع فيه التخصيص بالليل لأجل وقوعه في السؤال فلا مفهوم له في صلاة النهار.

الشرط الثالث: أن لا يقصد الشارع تهويل الحكم وتفخيم أمره، كما في قوله تعالى: {حقا على المحسنين}، {حقا على المتقين} فإن ذلك لا يشعر بسقوط الحكم عمن ليس بمحسن ولا بمتق.

الشرط الرابع: أن لا يكون المنطوق محل إشكال في الحكم، فيزال بالتنصيص عليه، كما يقول أصحاب أبي حنيفة، إن الكفارة إنما نص فيها على قتل الخطأ رفعا لنزاع من يتوهم أنها لا تجب على القاتل خطأ، نظرأ منه أن الخطأ معفو عنه فرفع الشرع، هذا الوهم بالنص عليه، وليس القصد المخالفة بين العمد والخطأ في الكفارة.

الشرط الخامس: أن لا يكون الشارع ذكر حدا محصورا للقياس عليه لا للمخالفة بينه وبين غيره، كقوله صلى الله عليه وسلم: خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: العقرب، والفأرة والحدأة، والغراب والكلب العقور، فإن مفهوم هذا العدد أن لا يقتل ما سواهن، لكن الشارع إنما ذكرهن لينظر إلى إذايتهن فيلحق بهن ما في معناهن، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يقصد حصر الكبائر فيهن، وإنما ذكرهن ليحلق بهن ما في معناهن.

وإذا تقررت هذه الشروط، فاعلم أن مفهومات المخالفة ترجع إلى سبعة، وإن كان قد عدها بعضهم عشرة، وهي:

مفهوم الصفة، ومفهوم الشرط، ومفهوم الغاية، ومفهوم العدد، ومفهوم الزمان، ومفهوم المكان، ومفهم اللقب.

القسم الثاني من أقسام المتن الفعل

وأعني بذلك فعله صلى الله عليه وسلم، وقد تقرر في أصول الدين عصمة الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه عن المعاصي، فإذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم فعلا علمنا أنه غير معصية.

وقد اختلفت في حكم فعله صلى الله عليه وسلم أقوال العلماء: وأشهرها: القول بالوجوب، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك، وقال: رأيته في موطئه يستدل بأفعاله كما يستدل بأقواله.

ويرى هؤلاء أن فعله يدل على الوجوب من قوله سبحانه: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}، ومن قوله تعالى: {وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}

والتحقيق: أنه إن ظهر من النبي صلى الله عليه وسلم أنه قصد بفعله ذلك القربة إلى الله تعالى فهو مندوب، لأن ظهور قصد القربة فيه يوضح رجحان فعله على تركه، والزيادة عليه منتفية بالأصل، وذلك هو معنى الندب.

وإن لم يظهر منه قصد قربة، ففعله ذلك محمول على الإباحة، لأن صدوره منه دليل على الإذن فيه، والزيادة على ذلك منتفية بالأصل، وذلك هو معنى الإباحة.

إذا تقرر هذا فحمل الكلام في الأفعال مشروط بأربعة شروط:

الشرط الأول: أن لا يكون جبليا، كالأكل والشرب والنوم والقيام والقعود، فإن الأفعال الجبلية لا يلزمنا أن نتأسي به صلى الله عليه وسلم فيها، فلا يلزمنا أن نأكل إذا أكل، أو ننام إذا نام.

الشرط الثاني: أن لا يكون الفعل خاصا به صلى الله عليه وسلم كالتهجد بالليل فإنه خاص به في الوجوب، وكالزيادة على أربع زوجات فإنه خاص به في الإباحة، ومن ذلك: أنه صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، فلا يجوز ذلك لغيره عندنا، والمخالف يرى أن ذلك ليس بخاص به.

الشرط الثالث: أن لا يكون بيانا لما ثبت مشروعيته، فإنه إذا كان بيانا فحكمه تابع لما هو بيان له، فقد يكون البيان بالقول، كقوله صلى الله عليه وسلم، صلوا كما رأيتموني أصلي، فإنه بيان لقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: خذوا عني مناسككم، وقد يكون البيان بقرينة، كما روى: أنه صلى الله عليه وسلم قطع السارق من الكوع، فإنه بيان لقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما}.

الشرط الرابع: أن لا يكون قد علم حكمه قبل ذلك، فإنه إن علم أنه واجب أو سنة في أصل المشروعية له فأمته مثله.

القسم الثالث من أقسام المتن التقرير

اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقر على الخطأ ولا على المعصية، لأن التقرير على الفعل معصية، فالعاصم له من فعل المعصية، عاصم له من التقرير عليها.

ومن شرط التقرير الذي هو حجة:

أن يعلم به النبي صلى الله عليه وسلم ويكون قادرا على الإنكار.

وأن لا يكون قد بين حكمه قبل ذلك بيانا يسقط عنه وجوب الإنكار، فإذا تقرر هذا، فالإقرار إما على الحكم، وإما على الفعل، فهذا فصلان:

الفصل الأول: إذا وقع الحكم بين يديه صلى الله عليه وسلم فأقره على ذلك، كان دليلا على أنه حكم الشرع في تلك المسألة، وذلك كاحتجاج أصحابنا على أن حكم قذف الزوج لزوجته الحد، وأن اللعان مسقط له، خلافا للحنفية القائلين بأن حكمه اللعان، فإن تعذر وجب الحد، بقول العجلاني للنبي صلى الله عليه وسلم: الرجل يجد مع امرأته رجلا، إن قتل قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت عن غيظ، فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم فدل على إصابته في الحكم.

الفصل الثاني: اعلم أن الفعل: إما أن يكون واقعا بين يديه صلى الله عليه وسلم وإما أن يكون واقعا في زمانه صلى الله عليه وسلم، والواقع في زمانه: إما أن يكون مشتهرا، وإما أن يكون خفيا فهذه ثلاث مسائل.

المسألة الأولى الفعل الواقع بين يديه صلى الله عليه وسلم

ومثاله: احتجاج الشافعية على قضاء فوائت النوافل في الأوقات الممنوعة بما روي قيس بن قعد، قال: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أصلي ركعتين بعد صلاة الصبح، فقال: ما هاتان الركعتان يا قيس، فقلت يا رسول الله: لم أكن صليت ركعتي الفجر فهما، هاتان الركعتان، فسكت صلى الله عليه وسلم.

المسألة الثانية: ما وقع في زمانه صلى الله عليه وسلم وكان مشهورا

ومثاله: احتجاج الشافعية على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل بما روي: أن معاذا كان يصلي العشاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ينصرف إلى قومه فيصلي بهم وهي له تطوع ولهم فريضة. وليس هذا في القوة كالأول، لاحتمال أن يكون لم يبلغه صلى الله عليه وسلم، وإن كان الغالب على الظن بأن الغالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم الأئمة الذين يصلون في قبائل المدينة، لا سيما وقد ورد في الخبر: أن أعرابيا شكا معاذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم مما يطول في الصلاة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أفتان أنت يا معاذ.

المسألة الثالثة: وهو ما وقع في زمانه صلى الله عليه وسلم وكان خفيا.

ومثاله: احتجاج بعض العلماء على أن التقاء الختانين من دون إنزال لا يوجب الغسل، بقول بعض الصحابة رضوان الله عليهم:

كنا نكسل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نغتسل، وهذا يقوي فيه احتمال عدم علمه صلى الله عليه وسلم، فلذلك كان الصحيح: أن مثل هذا ليس بحجة بخلاف الأولين.

فهذا تمام الكلام في التقرير، وبه تم الكلام في اتضاح الدلالة.

الباب الثالث: في كون الأصلي النقلي مستمر الأحكام

ومعناه: أنه غير منسوخ، فلنتكلم في النسخ، وينجصر الكلام فيه، في مقدمة تشتمل على شرح حده، وفيما يهم ويكثر تداوله بين الفقهاء من مسائله.

أما المقدمة: فاعلم أن حد النسخ: رفع الحكم الشرعي بالدليل الشرعي المتأخر عنه.وقيل: انتهاء الحكم الشرعي، 

فهذا تمام المقدمة، فلنتكلم على المسائل:

المسألة الأولى: الزيادة على النص المطلق ليست بنسخ عندنا وعند الشافعية، خلافا للحنفية.

وأصحابنا يرون أن تلك الزيادة لم ترفع حكما شرعيا، فلا تكون ناسخة، نعم: لو تقدم حكم في تلك الزيادة ثم ارتفع لكان نسخا.

ويتبين هذا بمثالين:

المثال الأول: قراءة الفاتحة، فرض عندنا في الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم، لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، وقوله صلى الله عليه وسلم كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، والطمأنينة واجبة في الركوع والسجود عندنا لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث 

وعند الحنفية: القراءة المطلقة هي الواجبة من قوله سبحانه: فاقرءوا ما تيسر والفاتحة زيادة، والركوع المطلق هو الفرض

من قوله سبحانه: اركعوا واسجدوا، والطمأنينة زيادة، فلو وجبت هذه الزيادة لكانت نسخا للمطقات الثابتة بالقرآن، والأخبار الموجبة لهذه الزيادات، اخبار آحاد، وأخبار الآحاد لا تكون ناسخة للقرآن، لأن المظنون لا ينسخ المقطوع.

المثال الثاني: التغريب، يجب عندنا مع الجلد، لقوله صلى الله عليه وسلم جلد مائة وتغريب عام، والحنفية يرونه زيادة على الجلد المذكور في القرآن، هو نسخ، ونسخ القرآن بأخبار الآحاد لا يجوز.

المسألة الثانية: اعلم أن الأصل النقلي يعلم كونه منسوخا بوجوه منها: متفق عليه، ومنها: مختلف فيه.

فمن ذلك أن ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم كونه منسوخا بالصريح، كقوله صلى الله عليه وسلم كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فادخروها، وكنت نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا، وكنت نهيتكم عن زيادة القبور فزورها، فهذه الأخبار علم منها الحكم المنسوخ.

ومن ذلك أن يصرح الراوي بأن الحكم منسوخ، كما إذا احتج بعض أصحابنا على ان الحامل والمرضع تفطران وتطعمان، بقوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين}.

فيقول المخالف: هذا منسوخ بما روى أن سلمة بن الأكوع، قال: إن الناس كانوا في ابتداء الإسلام مخيرين بين الصوم والفطر، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} فلو لم يكن ما قال الراوي في بيان تقدمه: كان هذا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ فإن قال: هذا منسوخ بهذا، فإن كثيرا من الأصوليون لا يجعل قول الراوي دليلا، لأنه يتحمل أن يكون عن اجتهاد لا عن نقل.

الباب الرابع: في كون الأصل النقلي راجحا

اعلم أن الترجيح يقع: إما من جهة السند، وإما من جة المتن، فهذان فصلان:

الفصل الأول: في ترجيحات السند

وله عشرة أسباب منها:

السبب الأول: كبر الراوي ومثاله: احتجاج أصحابنا على أن الإفراد بالحج أفضل،

بحديث ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد بالحج حين أحرم.

فتقول الحنفية: هذا معارض بحديث أنس: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعا.

والجواب عند أصحابنا: أن ابن عمر كان في حجة الوداع كبيرا وكان أنس صغيرا، فكانت رواية ابن عمر أرجح.

السبب الثاني: أن يكون الراوي لأحد الخبرين أعلم وأتقن من الراوي الآخر،

ومثاله: احتجاج أصحابنا على ان الإفراد بالحج أفضل، بحديث عائشة، فإذا عورض بحديث أنس، قلنا في الجواب: إن عائشة أعلم وأتقن من أنس.

السبب الثالث: أن يكون الراوي مباشرا للقصة بنفسه، فروايته أرجح من غير المباشر، لأن المباشر أقعد بما باشر، وأعرف وأثبت.

السبب الرابع: أن يكون أحد الراويين صاحب الواقعة فهو أولى.

ومثاله: ترجيح أصحابنا حديث ميمونة قال: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلالان، على رواية ابن عباس المذكورة.

الفصل الثاني: في ترجيحات المتن،

وأسبابه عشرة منها:

السبب الأول: أن يكون أحد المتنين قولا والآخر فعلا، فإن القول أقوى على الصحيح.

السبب الثاني: أن يكون أحد المتنين دالا بمنطوقه والآخر بمفهومه، فالدال بمنطوقه أولى.

السبب الثالث: أن يكون أحدهما قصد به الحكم ولآخر ليس كذلك، فإن ما قصد به الحكم أرجح.

السبب الرابع والخامس: أن يكون أحد المتنين واردا على سبب، و [والآخر واردا على غير سبب]، فإن الوارد على سبب أرجح في السبب، والوارد على غير سبب أرجح في غير السبب.

الصنف الثاني: وهو الأصل العقلي

ونعني به: الاستصحاب، اعلم أن الاستصحاب ضربان: استصحاب أمر عقلي أو حسي، واستصحاب حكم شرعي.

الضرب الأول:

وهو حجة عندنا وعند الشافعية لأجل حصول غلبة الظن بأن ما علم وقوعه على حالة لم يتغير عنها، وقلما يسلم من معارضة باستصحاب آخر، ومن إثبات ناقل عن الحالة الأولى.

فأما الأول: وهو ما يعارض باستصحاب آخر، فكاستدلال بعض أصحابنا على ان الغائب إذا هلك قبل القبض ووقع النزاع بين المتابعين: هل هلك قبل العقد أو بعده؟ فإن ضمانه من المشترى بأن يقول: إن السلعة كانت موجودة قبل العقد، وسالمة من العيوب، فوجب أن تستصحب سلامتها إلى زمن تيقن الهلاك، وهو بعد العقد، فقد هلكت على ملك المشترى، فكانت من ضمانه.

فيعارضه من يخالفه من أصحابنا: بأن ذمة المشترى بريئة من الضمان، فوجب استصحاب تلك البراءة، فلا ضمان على المشتري، فيرجع الأمر حينئذ إلى ترجيح أحد الاستصحابين.

وأما الثاني: وهو ما يدعي فيه وجود ناقل، فكاحتجاج أصحابنا على أن سؤر الكلب طاهر، بأنه سالم من المخالطة للنجاسة قبل الولوغ، فوجب استصحاب ذلك حتى تتحقق مخالطة النجاسة.

الضرب الثاني: استصحاب حكم الشرع.

وهذا كاحتجاج أصحابنا على: أن الرعاف لا ينقض الوضوء، بأنا لما أجمعنا على انه متطهر قبل الرعاف، فوجب استصحاب الطهارة بعده حتى يدل دليل على النقض.

فيقول أصحاب أبي حنيفة: نحن نمنع هذا الاستصحاب، وذلك أن دليل هذا الحكم هو الإجماع، والإجماع لم ينعقد بعد الرعاف كما كان قبله، فكيف يستصحب حكم بعد فقدان دليله، وأيضا/ الناقض، موجود وهو الرعاف عملا، بقوله صلى الله عليه سليم: من فاء أو رعف فعليه الوضوء، وهذا الاستصحاب قلما يتم، وهو أضعف من الأول.

النوع الثاني: وهو ما كان لازما عن أصل

اعلم أن الناشئ عن الأصل لابد وأن يدل على حكم، وذلك الحكم: إما أن يكون مماثلا للأصل، وإما أن يكون مناقضا لحكم الأصل، وإما أن يكون ليس بمماثل ولا مناقض.

فإن كان مماثلا لحكم الأصل، فلابد من المغايرة بين الحكمين في المحل، لاستحالة اجتماع المثلين، وإذا تغاير المحلان فذلك هو قياس الطرد.

وإن كان مناقضا لحكم الأصل، فلابد من المغايرة بينهما في المحل، لاستحالة اجتماع النقيضين، وذلك هو قياس العكس.

وإن كان ليس بمماثل ولا مناقض، فلذلك هو الاستدلال.

فانحصر الكلام في اللازم عن أصل ثلاثة أقسام:

قياس طرد، وقياس عكس، وقياس استدلال. فلنعقد في كل قسم بابا.

الباب الأول: في قياس الطرد

والكلام فيه منحصر في شرح حده، وبيان أركانه، وبيان أقسامه، وفي الاعتراضات الواردة عليه، فهذه مقدمة وفصلان، 

المقدمة:

اعلم أن القياس عبارة عن الحاق صورة مجهولة الحكم بصورة معلومة الحكم، لأجل أمر جامع بينهما يقتضي ذلك الحكم.

والصورة المعلومة الحكم تسمى: اصلا، والصورة المجهولة الحكم تسمىى: فرعا، كما إذا قسنا النبيذ الذي هو مجهول الحكم ومحل النزاع على الخمر الذي هو معلوم الحكم ومحل الاتفاق، فالخمر هو الأصل، والنبيذ هو الفرع، والجامع الإسكار، والحكم المطلوب، إثباته في الفرع التحريم.

الفصل الأول: في أركان القياس

وهي أربعة: الأصل، والعلة، والفرع، والحكم.

الركن الأول: الأصل، وشروطه خمسة:

الشرط الأول: أن يكون الحكم فيه ثابتا، فإنه إن لم يكن ثابتا لم يتوجه القياس عليه، لأن المقصود ثبوت الحكم في الفرع، وثبوت الحكم في الفرع فرع عن ثبوته في الأصل، وكذلك في المناظرة إذا قاس المستدل على أصل لا يقول به، فإنه لا تقوم به الحجة على خصمه، وإن كان خصمه يقول به في الأصل، لأن المستدل معترف بفساد قياسه 

ومثاله: احتجاج الشافعية على الحنفية في أن نية التطوع في الحج تجزيء عن نية الفريضة فيه، خلافا للحنفية بقياسهم ذلك على الصوم، فإن مذهب الحنفية فيه أن نية التطوع فيه تجزيء عن نية الفريضة خلافا للشافعية، وقد قاست الشافعية على أصل لا تقول به.

الشرط الثاني: أن يكون الأصل مستمرا في الحكم، أي غير منسوخ، لأنه إذا نسخ حكم الأصل وكان الوصف الجامع حاصلا فيه لزم أن يكون ذلك الوصف علة لتخلف الحكم عنه، وإذا لم يكن علة لم يصح الجمع به، لأن ما ليس بعلة لا يقتضي حكم العلة.

فإن قلت قد يجمع بين الأصل والرفع بغير علة، قلنا: لا بد من كون ذلك الجامع متضمنا للعلة، أما إن لم يكن الوصف الجامع علة ولا متضمنا للعلة لم يصح الجمع به.

الشرط الثالث: أن لا يكون الأصل مخصوصا بالحكم فإنه إذا كان مخصوصا تعذر إلحاق غيره به في الحكم وإلا بطل الخصوص.

الشرط الرابع: أن لا يكون الأصل المقيس عليه فرعا عن اصل آخر.

واعلم أن هذا الشرط قد اعتبره الأصوليون، ونقلوا عن الحنابلة وأبي عبد الله البصري من المعتزلة: أنه ليس بشرط، وهو عندنا في المذهب ليس بشرط، بل يجوز عندنا القياس على أصل ثبت حكمه بالقياس على أصل آخر، ومثاله: قياس جمهور أصحابنا قول القائل لزوجته: أنت طالق، إذا حضت على قوله: أنت طالق رأس الشهر، ثم إنهم يحتجون على حكم الأصل بقياسه على نكاح المتعة، والعلة في ذلك: أن المعنى المقصود من النكاح وهو المودة وحسن الألفة والعشرة لا يفضي إليه النكاح إلا بالتأبيد، أما مع توقع الفراق عند حصول الأجل قطعا أو ظنا، فذلك مخل لما يقصد من النكاح، وهو المودة وحسن الألفة، وهذا المعنى لما لم يكن هو المقصود من الملك، بل المقصود منه ما لا يخل بالمؤجل كالهبة والاستخدام جاز تعليق العتق بأجل محقق.

الشرط الخامس: أن لا يكون الاتفاق على الحكم مركبا على وصفين، بناء من كل فريق على أن وصفه هو العلة، فإن مثل هذا لا يثبت به حكم الأصل.

ومثاله: قياس أصحابنا قاتل العبد في أنه لا يقتل به على قاتل المكاتب، فإن الحنفية يوافقون أصحابنا على أن قاتل المكاتب لا يقتل، لكن العلة عند أصحابنا في ذلك، كون المقتول عبدا، وألحقوا به قاتل العبد القن، والعلة عند الحنفية: جهل المستحق لدمه، وذلك أنه لما عقد الكتابة فهو متردد بين الرق والحرية، فإن أدى نجوم كتابته عتق وإلا رق، فإذا مات تعذر علينا استطلاع عاقبته من عتق أو رق، فتردد دمه بين السيد وبين الورثة.

قالت الحنفية: فهذه العلة التي أبديناها إن صحت بطل قياس قاتل العبد على قاتل المكاتب، لأن قاتل العبد معلوم فيه المستحق لا مجهول، وإن لم تصح هذه العلة منعنا حكم الأصل المقيس عليه وهو قاتل المكاتب، وقلنا حينئذ: يقتل قاتل المكاتب فإذن لا يثبت حكم الأصل بمثل هذا الاتفاق.

ومثل هذا يسميه الأصوليون: بالقياس المركب، ولو أثبت أصحابنا حكم المكاتب بنص لصح القياس.

الركن الثاني: العلة

والكلام في شروطها، وفي مسالكها، وهي ما ثبتت بها كون الوصف علة.

وأما شروطها: فلنعقد بها مسائل نذكر بعضا منها:

المسألة الأولى: يجوز تعليل الحكم الوجودي بالوصف الوجودي والحكم العدمي بالوصف العدمي إجماعا، وذلك كما نعلل وجوب الزكاة بملك النصاب، ونعلل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان.

وأما تعليل الحكم الوجودي بالوصف العدمي ففيه خلاف بين أئمة الأصول.

المسألة الثانية: يجب أن يكون الوصف الذي يقتضي الحكم ظاهرا لا خفيا، لأن الحكم في نفسه غيب، فإذا كان الوصف أيضا غيبا عنا لم يصح التعليل له، لأن العلة معرفة، والغيب لا يعرف الغيب، وهذا كما نعلل القصاص بالقتل العمد العدوان، فيقول المعترض: العمد من أفعال النفوس، وهو خفي لا يصح اعتباره في العلة بالاستقلال ولا بالجزئية، نعم، يعتبر عوضا منه ما يظن وجوده عنده ويسمى الوصف المشتمل عليه {مظنة}.

المسألة الثالثة: يجب أن يكون وصف العلة منضبطا غير مضطرب، ومعناه أن الأشياء التي تتفاوت في نفسها كالمشقة، فإنها تضعف وتقوى إذا أناط الشرع الحكم بها، فلابد من ضبطها.

ومثاله: السفر، فإن الشرع رخص للمسافر في القصر والإفطار لأجل المشقة، لكن المشقة المعتبرة في القصر غير منضبطة، لأنها

تتفاوت بطول السفر وقصره، وكثرة الجهد وقلته، فلا يحسن إناطة الحكم بها، فاعتبر الشرع ما يضبطها وهو السفر أربعة برد، فلذلك لم يلتحق به غيره من الصنائع الكادة.

وأما مسالك العلة: وهي الأدلة الدالة على أن الوصف علة في الحكم فهي خمسة مسالك.

المسلك الأول: النص وهو قسمان: صريح وإيماء

فالصريح: أن يأتي الشارع بصيغة العلة، كقوله سبحانه: {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} وكقوله صلى الله عليه وسلم: كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة التي دفت عليكم. وقوله صلى الله عليه وسلم: تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم

ومثله قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} 

وأما الإيماء فهو مراتب

المرتبة الأولى: أن يذكر صلى الله عليه وسلم مع الحكم وصفا يبعد أن يأتي به لغير التعليل، كقوله صلى الله عليه وسلم في الهرة: إنها ليست بنجس، وإنما هي من الطوافين عليكم والطوافات»، فلو لم يكن التطواف علة لنفي النجاسة لم يكن لذكره مع هذا الحكم فائدة، لأنه قد علم أنها من الطوافات.

المرتبة الثانية: الاستنطاق بوصف يعلمه الشارع خاليا من التنازع ليرتب عليه الجواب، ولو لم يكن للتعليل لكان استنطاقه عن وصف يعلمه خاليا عن الفائدة.

وهذ: كما سئل صلى الله عليه وسلم عن بيع الرطب بالتمر، فقال: «أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم، قال: فلا إذن».

المرتبة الثالثة: أن يذكر النبي صلى الله عليه وسلم حكما عقب علمه بواقعة حدثت، فيعلم أن تلك الواقعة سبب ذلك الحكم.

كما روي أن أعرابيا قال: يا رسول الله: هلكت وأهلكت، واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال: اعتقرقبة»، فكأنه، قال: إذا واقعت فكفر.

فهذه مراتب الإيماء.

المسلك الثاني: الإجماعوهو أن يثبت كون الوصف علة في حكم الأصل بالإجماع.

ومثاله: إذا كان للمرأة أخوان، أحدهما شقيق، فهل يكون أولى بعقد النكاح عليها من الأخ للأب؟ وهذا هو اختيار ابن القاسم أن مزيد القرابة من جهة الأم سبب تقديم الأخ الشقيق على الأخ للأب في الميراث بالإجماع، فوجب أن يكون كذلك في النكاح بالقياس عليه.

المسلك الثالث: المناسبةوهو أن يكون في محل الحكم وصف يناسب ذلك الحكم.

ومثاله: تحريم الخمر، فإن فيه وصفا يناسب أن يحرم لأجله، وهو الإسكار المذهب للعقل، الذي هو مناط التكليف وسبب اقتناء السعادتين: المعاشية والمعادية، 

المسلك الرابع: الدورانوهو أن يوجد الحكم عند وجود الوصف، ويعدم عند عدمه، فيعلم أن ذلك الوصف علة ذلك الحكم.

ومثاله: أن عصير العنب قبل أن يدخله الإسكار ليس بحرام إجماعا، فإذا دخله الإسكار كان حراما إجماعا، فإذا ذهب عنه الإسكار ذهب عنه التحريم، فلما دار التحريم مع الإسكار وجودا وعدما، علمنا أن الإسكار علة التحريم.

المسلك الخامس: الشبهوهو ان تتردد المسألة بين أصلين مختلفين في الحكم، وهو أقوى شبها به.

ومثاله: الوضوء، فإنه دائر بين التيمم وبين إزالة النجاسة، فيشبه التيمم من حيث أن المزال فيه وهو الحدث، حكمي لا حسي، ويشبه إزالة النجاسة في أن المزال فيها حسي لا حكمي لإزالة الماء العين بالطبع بخلاف التراب.

فالمالكية والشافعية: يوجبون النية في الوضوء، تغليبا لشبهه بالتيمم، والحنفية لا توجب النية في الوضوء، تغليبا لشبهه بإزالة النجاسة، ولكل من الفريقين ترجيحات لشبهه، يخرج ذكرها عن المقصود.

فهذا تمام الكلام في الركن الثاني الذي هو العلة.

الركن الثالث: "الفرع"

وشروطه أربعة:

الشرط الأول: أن تكون العلة موجودة في الفرع، لأن المقصود وهو ثبوت الحكم في الفرع فرع عن ثبوت علته فيه.

كما يقيس أصحابنا عظام الميتة على لحمها في النجاسة، فتمنع الحنفية وصف العظام بالموت، فيجيب أصحابنا بأن الحياة تحلها بقوله تعالى: {قال من يحيي العظام وهي رميم}، وما هو محل الحياة فهو محل الموت، فثبت وصف العظام بالموت.

الشرط الثاني: أن لا يتقدم حكم الفرع على الأصل، لأنه إن تقدم لزم ثبوت حكم الفرع قبل ثبوت العلة لتأخير الأصل.

ومثاله: قياس أصحابنا الوضوء على التيمم في الافتقار إلى النية، والوضوء متقدم على التيمم في المشروعية وفي الفعل، نعم: يكون هذا إلزاما، فيقول: لو لم تجب النية في الوضوء لما وجبت في التيمم.

الشرط الثالثأن لا يكون الفرع منصوصا عليه بعموم أوبخصوص.

ومثال العموم: أن يكون دليل حكم الأصل شاملا لحكم الفرع: كما إذا قيس التفاح على البر في الربا، واثبت الحكم في الربا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: لا تبيعوا الطعام بالطعام، فإن هذا يشمل حكم الفرع فلا يكون الأصل أولى بالأصالة من الفرع.

ومثال الخصوص: قياس أصحاب أبي حنيفة إيجاب الوضوء من القيء والرعاف على سائر الأحداث ثم يبينون حكم الرعاف والقيء بقوله صلى الله عليه وسلم: من قاء أو رعف فعليه الوضوء.

الشرط الرابع: أن لا يباين موضع الأصل موضع الفرع في الأحكام.

كقياس البيع على النكاح أو بالعكس، فإن البيع مبني على المكايسة والمشاحة والنكاح مبني على المكارمة والمساهلة.

فإذا تقرر هذا: فالشافعية يقيسون فساد النكاح إذا انعقد على عبد في الذمة على فساد البيع إذا انعقد على عبد في الذمة غير موصوف، بجامع الجهل بالعوض، فإنه علة الفساد في البيع بالإجماع.

فيقول أصحابنا: البيع مبني على المشاحة، والمكايسة، فكان الجهل فيه بالعوض مخلا بالمقصود منه، والنكاح مبني على المكارمة والمساهلة وليس المقصود من الصداق أن يكون مماثلا وعوضا ولذلك سماه الله تعالى: نحلة، فهو كالهبة فلا يضر الجهل به كما لا يضر بالهبة.

الركن الرابع: الحكم، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: من شرط الحكم أن يكون شرعيا، لأن القياس دليل شرعي.

فعلى هذا: لا يجوز القياس في اللغات، وقد اختلف فيه.

ومثاله: تسمية النباش سارقا بالقياس على أخذ مال الحي خفية، بجامع أخذ المال خفية وكتسمية النبيذ خمرا بالقياس على تسمية عصير العنب خمرا بجامع مخامرة العقل.

المسألة الثانية: لا يجوز إثبات الحكم العادي بالقياس

ومثاله: إذا قال أصحابنا في إثبات أن الحامل تحيض بأنه دم عارض فلا ينافي الحمل كدم الاستحاضة، لأن الحيض والاستحاضة دمان متجانبان لا يرى أحدهما إلا من يرى الآخر، ألا ترى أن الصغيرة التي تحيض لا تستحاض، والبائسة من المحيض لا تستحاض، فهذا قياس العادة والعادة قد تختلف فلا يتم.

المسألة الثالثة: ما يطلب فيه القطع، فلا يجوز إثباته بالقياس، لأن القياس لا يفيد القطع.

ومثاله: قياس أصحاب الشافعي في بسم الله الرحمن الرحيم، أنها من القرآن في كل سورة على سائر أي القرآن بجامع أنها مكتوبة بخط المصحف.

الفصل الثاني: في أقسام قياس الطرد

اعلم أن الجامع بين الأصل والفرع في قياس الطرد، إما أن يكون جملة ما وقع الاشتراك فيه بين الأصل والفرع، وهو قياس لا فارق، ويسمى قياسا في معنى الأصل.

وإما أن يكون بعض ما وقع الاشتراك فيه، وينقسم قسمين:

إما نفس العلة، ويسمى قياس العلة، وإما ما يدل على العلة، ويسمى قياس الدلالة، فهذه ثلاثة أقسام:

القسم الأول: قياس لا فارقوحاصله: بيان إلغاء الفارق بين الأصل والفرع، والعلة موجودة في الأصل لثبوت حكمها فيه، فوجب كونها مشتركة سواء كانت جملة المشترك او بعضه.

ومثاله: قول أصحاب أبي حنيفة في المديان: تجب عليه الزكاة قياسا على غير المديان، وبيان ذلك: أنه لا فارق بين الأصل والفرع إلا الدين الموجود في الفرع بدليل أنه لو عدم منه لانقلب الفرع أصلا ولو وجد في الأصل لانقلب الأصل فرعا، فدل أنه لا فارق بينهما إلا الدين، لكن الدين لا يصلح أن يكون مانعا من الزكاة، إذ لو منع من زكاة العين لمنع من زكاة الحرث والماشية، وإذا ثبت أن الدين غير مانع، ولا فارق غيره وجب الاشتراك في كل ما سواه، وأن العلة الموجودة في الأصل من جملة ما سواه، فوجب الاشتراك فيها.

القسم الثاني: قياس العلةوهو قياس المعني، وقياس الشبه، وقد تقدمت أمثلتهما في مسالك العلة.

القسم الثالث: قياس الدلالة: اعلم أن قياس الدلالة هو الذي لا يجمع فيه بعين العلة، بل بما يدل عليهما مما يلزم من الاشتراك في عين العلة، وهو عند بعض الأصوليين من قبيل الاستدلال، فلنؤخره إليه.

الباب الثاني: في قياس العكس

اعلم أن قياس العكس هو: إثبات نقيض حكم الأصل في الفرع لافتراقهما في العلة.

ولنصرب له أمثلة ليستبين بها:

المثال الأول: احتجاج أصحابنا على أن [الوضوء لا يجب من كثرة القيء، فإنه لما لم يجب الوضوء من قليله لم يجب من] كثرة، عكسه، البول، لما وجب الوضوء من قليله وجب من كثيره.

وذلك: أن أصحابنا يذهبون إلى سقوط الوضوء من كثير القيء، والحنفية يذهبون إلى وجوب الوضوء من كثيره فيقيس أصحابنا كثير القيء على كثير البول في الافتراق في الحكم، ويستدلون على افتراقهما في الحكم بافتراقهما في العلة، فإذا نوزعوا في افتراقهما في العلة، احتجوا عليه بافتراقهما في الحكم عند العلة، إذ قد اتفق الفريقان على سقوط الوضوء من قليل القيء ووجوبه من قليل البول.

وقد يحتج الحنفية على الشافعية بمثل هذا الدليل في أن النوم لا يوجب الوضوء خلافا للشافعية، فإنه عندهم حدث بنفسه على بعض الطرق، ومظنة للحدث على طريقة أخرى.

فتقول الحنفية على الطريقة الأولى: لما لم يجب الوضوء من قليل النوم لم يجب من كثيره، عكسه البول، لما وجب من قليله وجب من كثيره.

المثال الثاني: احتجاج أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة على أن الصوم شرط في صحة الاعتكاف، بقولهم: لما وجب الصوم عليه إذا نذر أن يعتكف صائما، وجب عليه الصوم إذا لم ينذر عكسه الصلاة: لما لم تجب عليه إذا نذر، لم تجب عليه إذا لم ينذر، وتقريره كالأول.

الباب الثالث: في الاستدلال

اعلم أن الاستدلال قد يكون بطريق التلازم بين الحكمين، وقد يكون بطريق التنافي بينهم، فإن كان بطريق التلازم فهو ثلاثة أقسام: استدلال بالمعلوم على العلة، واستدلال بالعلة على المعلول، واستدلال بأحد المعلولين على الآخر.

وإن كان بطريق التنافي فهو ثلاثة أقسام أيضا: تناف بين حكمين وجودا وعدما، وتناف بينهما وجودا فقط، وتناف بينهما عدما فقط.

فجميع أقسام الاستدلال ستة.

القسم الأول: الاستدلال بالمعلول على العلة

ومثاله: استدلال أصحابنا على: أن الوتر يجوز أن يؤدي على الراحلة، وما يجوز أن يؤدي على الراحلة فهو نفل، فالوتر نفل.

وذلك أن جواز الأداء على الراحلة أثر من آثار التنفل، ومعلول من معلولاته، ولذلك لا تؤدي الفرائض على الراحلة، فإذا ذكر هذا الاستدلال أصلا كركعتي الفجر مثلا، لكان قياسا للدلالة.

واعلم أنه كما يستدل بوجود أثر الشيء على وجوده، فكذلك يستدل بعدم أثر الشيء على عدمه.

ومثاله: احتجاج الشافعية ومن يوافقهم من أصحابنا على: أن بيع الفضولي لا يصح، بأنه لما لم يفد الملك لم ينعقد، لأن ثمرة العقد وأثره إنما هو الملك، فإن الأسباب الحكمية لا تراد لنفسها وإنما تراه لأحكامها.

القسم الثاني: الاستدلال بالعلة على المعلول

ومثاله: احتجاج أصحابنا على أن بيع الغائب صحيح، لأنه حلال، عملا بقوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} وإذا كان حلالا وجب أن يكون صحيحا، لأن الحل علة الصحة.

ومنه احتجاج الشافعية وبعض أصحابنا على: أن منافع المغصوب مضمونة للمغصوب منه، بأن يقولوا: إن المنافع مملوكة للمغصوب منه، لأنها تبع للمغضوب في الملك إجماعا، وإذا كانت مملوكة للمغضوب منه وجب أن تكون مضمونة له.

واعلم أنه كما يستدل بالعلة على المعلول، فقد يستدل بعدم العلة على عدم المعلول.

ومثاله: احتجاج الشافعية على أن المقر له بالمال إذا لم يثبت لا يستق شيئا، لأنه إذا لم يثبت الاستلحاق الذي هو النسب، فلا يثبت الاستحقاق.

القسم الثالث: الاستدلال بأحد المعلولين على الآخر

اعلم أن أحد المعلولين - وهو المعلول المستدل عليه - لابد وأن يكون شرعيا، وأما المعلول المستدل به فقد يكون شرعياـ، وقد يكون حقيقا.

أما الحقيقي فمثاله: احتجاج أصحابنا وأصحاب الشافعي على نجاسة العظم بعد الموت بأن العظم جزء من الحي يتألم الحي بإبانته، وكل جزء يتألم الي بإبانته فإنه نجس بعد الموت، فالعظم نجس بعد الموت.

وبيان ذلك أن الحياة علة في التألم حقيقة، وفي النجاسة بعد الموت شرعا.

وأما الشرعي فمثاله: احتجاج الشافعية على وجوب الزكاة على المديان في العين، بوجوبها عليه في الحرث والماشية، إذ هما معا معلولان لعلة واحدة، وهو الغنى بملك النصاب، والمعلولان معا شرعيان.

القسم الرابع: التنافي بين الحكمين وجودا وعدما

ومثاله: احتجاج أصحابنا على أن المديان لا تجب عليه الزكاة، بأن أخذه للزكاة وأعطاه إياها متنافيان وجودا وعدما.

وبيان ذلك: أنه إما أن يكون غنيا، وإما أن يكون فقيرا، وعلى كلا التقديرين يلزم أحد الحكمين وعدم الآخر.

أما إن كان غنيا فيلزم وجوب إعطائه الزكاة، وحرمة أخذها عليه، وأما إن كان فقيرا فيلزم إباحة أخذه للزكاة وسقوطها عنه، وإذا ثبت التنافي بين الحكمين وجودا وعدما، وقد ثبت أحدها وهو جواز أخذه للزكاة إجماعا فوجب عدم الآخر، وهو وجوبها عليه.

القسم الخامس: التنافي بين الحكمين وجودا فقط

ومثاله: احتجاج الشافعية على عدم نجاسة المني، بأن نجاسة المني وجواز الصلاة به متنافيان، لكن الصلاة به جائزة فهو ليس بنجس.

وإنما كانت الصلاة به جائزة لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلت المنى من ثوبه بعرق الإذخر، ثم يصلي فيه.

القسم السادس: التنافي بين الحكمين عدما فقط: ومثاله: احتجاج أصحابنا على طهارة ميتة البحر بعدم تحريم أكلها فإن الطهارة وحرمة الأكل لا يرتفعان، لأن كل ما ليس بطاهر فهو حرام الأكل، وكل ما ليس بحرام الأكل فهو طاهر، لكن ميتة البحر ليست بحرام الأكل، لقوله صلى الله عليه وسلم: هو الطهور ماؤه، الحل ميتته. فوجب أن تكون ميتة البحر طاهرة.

فهذا تمام القول في الاستدلال، وبه تم الكلام في الجنس الأول.

الجنس الثاني ما يتمسك به المستدل المتضمن للدليل

وله نوعان: الإجماع وقول الصحابي.

وإنما كانا متضمنين للدليل، لأنه يحرم على الأمة، وعلى الصحابي الحكم في مسألة من المسائل من غير استناد إلى دليل شرعي.

النوع الأول: وفيه مقدمة، وأربع مسائل:

أما المقدمة: فاعلم أن الإجماع حجة عند جمهور العلماء، ويحتجون على ذلك بقوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى} الآية، فمن خالف الإجماع فقد اتبع غير سبيل المؤمنين، فاندرج في هذا الوعيد، وقد قال صلى الله عليه وسلم: لا تجتمع أمتي على خطأ ن ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث متواترة المعنى تتضمن عصمة الأمة من الخطأ فيما أجمعوا عليه.

المسألة الأولى: إذا حكم واحد من الصحابة والتابعين بمحضر جماعة، وشاع وذاع ولم ينكر، فقد اختلف في ذلك: هل يعد إجماعا، ويكون حجة أو لا.

فالجمهور: أنه حجة ظاهرة، لا إجماع قطعي. ومثاله: احتجاج أصحابنا أن المرأة إذا عقد عليها وليان الزوجين، ودخل الثاني منهما ولم يعلم بالأول، فإنها للثاني بقضاء عمر رضي الله تعالى عنه بذلك بمحضر الصحابة ولم ينكروا عليه وبقضاء معاوية رضي الله عنه للحسن بن علي على ابنه يزيد بذلك بمحضر الصحابة ولم ينكروا، وقال ابن عبد الحكم: السابق بالعقد أولى

المسألة الثانية: إذا أجمع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على قول، وخالفهم واحد منهم فقد اختلف في ذلك، والأظهر أنه حجة، لأنه يبعد أن يكون ما تمسك به المخالف النادر أرجح مما تمسك به الجمهور الغالب.

ومثاله: احتجاج أصحابنا على العول في الفرائض بإجماع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، على ذلك إلا ابن عباس، وكاحتجاجهم على أن النوم المستغرق بنقض الوضوء، بإجماع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على ذلك، إلا أبا موسى الأشعري، رضي الله تعالى عنه.

المسألة الثالثة: إذا أجمع أهل العصر الثاني على أحد قولي العصر الأول، فقد اختلف في ذلك هل يكون إجماعا وحجة أو لا؟ والأظهر انه إجماع وحجة. ومثاله: احتجاج أصحابنا على أن بيع أم الولد لا يجوز، بإجماع التابعين رضوان الله تعالى عليهم على ذلك بعد اختلاف الصحابة فيه.

المسألة الرابعة: إجماع أهل المدينة حجة عند مالك، رحمه الله تعالى، وخالفه في ذلك غيره.

ومثاله: احتجاج أصحابنا بإجماعهم في الآذان، والإقامة، والمد، والصاع، وغير ذلك من المنقولات المستمرة.

فهذا تمام الكلام في الإجماع.

النوع الثاني: مما يتضمن الدليل قول الصحابي.

وقد اختلف فيه هل هو حجة أو ليس بحجة، ومن يرى أنه حجة يحتج على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم.

ومثاله احتجاج أصحابنا على أن من قال لأربع نسوة: أنتن علي كظهر أمي، فإنما عليه كفارة واحدة لقول عمر رضي الله تعالى عنه: من ظاهر من أربع نسوة فإنما عليه كفارة واحدة".

ومذهب أبي حنيفة: أن قول الصحابي إذا خالف القياس كان حجة، لأنه لا مدخل للرأي فيه، فلا يكون إلا بتوقيف، وإذا وافق القياس لم يكن حجة لاحتمال أن يكون برأي.

ومثال ما خالف القياس قول عائشة رضي الله تعالى عنها: أكثر ما يبقى الولد في بطن أمه سنتان، فإن هذا التحديد لا يهتدي إليه بقياس.

ومثال ما وافق القياس، قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الأخوان ليسا إخوة، فإن ذلك أمر يؤخذ من قياس اللغة.

فهذا تمام الكلام في الجنس الثاني، وبه تم الكتاب.

والحمد لله ولي التوفيق والهداية وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله صلاة متصلة لا إلى نهاية.

انتهى




دعواتكم: للعبد الفقيرالمضطر لرحمة ربه: ابراهيم

تعليقات

‏قال Unknown
يبوي اسكي بيك 😂
التنقل السريع